غزة.. "مواصلات" على خط "الحسرة": "لتر السولار بـ90"!
تاريخ النشر : 2024-12-15 12:54

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

يتصبب جبين الحاج أبو علي عرقًا خلف مقود سيّارته التي أدار مفتاحها للتو. لقد تحرك أخيرًا بعد انتظار نحو 4 ساعات لإكمال حمولتها من الركاب، بعد أن ضاق عليه الحال، ولم يعد قادرًا على الإيفاء باحتياجات أسرته وسط ظروف الإبادة.

أشهر طويلة قضاها الرجل الأربعيني بلا عمل، نتيجة ارتفاع قيمة تشغيل السيارة، وعدم توفر الوقود أو حتى بدائله المحلية من زيت السيرج، لكنه بعد أن ضاق به الحال كثيرًا قرر العودة.

ولأن العمل على السيارة وحدها لا يكفي، أضاف إليها عربة خلفية، استأجرها وربطها بها مباشرة. يقول: "ورغم هذا ما أجنيه بسيط للغاية".

ويعاني سائقو الأجرة بغزة وليس فقط أبو علي، ارتفاع ثمن اللتر الواحد من السولار، "وفي حال ارتفاعه أكثر، سنتوقف عن العمل جميعًا" يخبرنا الرجل.

ويشرح ذلك بقوله: "يتراوح سعر لتر السولار بين 80 و90 شيكلًا، وقد أُضطر لشرائه حتى أوفر لقمة عيش عائلتي وأبناء إخوتي الثلاثة الذين ارتقوا في الحرب"، ملفتًا إلى أن ارتفاع سعره، انعكس تلقائيًا على أجرة الركاب، وهذا ما يدفع بالكثيرين إلى الاستغناء عن ركوب السيارة، واستبدالها بالمشي أو ركوب عربات الكارو التي تجرها الدواب.

وبين احتياجات السيارة والعربة والمقابل البسيط الذي يحصل عليه أبو علي، يضطر للسماح براكب آخر إلى جواره (على كرسي السائق)، بينما في الكرسي الذي يجاوره اثنان آخران! وفي الخلف أربعة، بينما في العربة الملحقة يركب عشرة.

يتابع: "لا أقصد التضييق بالتأكيد على الركاب، لكن هذا ما يقوله المنطق في ظل الظروف الصعبة التي نعيشها. تأمين السولار، وإيجار العربة، ويومية العامل الذي يجمع المقابل من الركاب في العربة الخلفية، ناهيكم عن الأعطال المفاجئة التي تحتاج إلى تصليح".

يتحدث أبو علي عن ربح يومي يتراوح بين 20 و30 شيقلًا فقط، يقسمه بينه وبين العامل. يعقب: "أحمد الله، هذا أفضل من الجلوس في البيت".

عمل السائقين تحت نيران الحرب أيضًا يشكل خطرًا كبيرًا، خاصةً في ظل الاستهدافات الإسرائيلية المباغتة على مناطق متفرقة بالقطاع.

ولا تقتصر المعاناة على ذلك فحسب، فالعمل تحت نيران الحرب يشكل خطرًا كبيرًا، خاصةً في ظل الاستهدافات الإسرائيلية المباغتة على مناطق متفرقة بالقطاع.

يكمل أبو علي: "أخرج من الساعة السادسة صباحًا وأعود لخيمتي تمام الثامنة مساءً. الشوارع معتمة ومخيفة، وصوت الزنانة الوحيد الذي يُسمع أثناء الطريق".

ويردف: "أعمل وأنا أحمل روحي على كفي، لكن من غير المنطقي أن أخاف وأجوع بنفس الوقت"، مضيفًا بقهر: "عندي عيلة بدي أطعميها".

الحال ذاته بالنسبة لسائق الباص زياد مهدي، الذي تعرض بشكل مباشر للاستهداف الإسرائيلي عدة مرات، يقول لـ"نوى": "أطلقت طائرة الكواد كابتر النار علي بشكل مباشر أثناء تصليح الباص شرقي مخيم النصيرات، ونجوت بأعجوبة".

يعمل مهدي منذ خمس سنوات سائق أجرة، وفي الحرب توقّف عن العمل شهورًا عدة ثم عاد للعمل مجددًا.

ويتابع: "أخرج من الساعة الرابعة فجرًا؛ لأحصل على دور في طابور تعبئة السولار. أنتظر هناك أربع ساعات أحيانًا لأملأ اللتر بـ80 شيكلاً".

يضطر مهدي لشراء السولار بهذا السعر، "فإن بقيت جالسًا في بيتي سأختنق، وقد تصيبني حالة نفسية صعبة. أعمل حتى أوفّر أبسط احتياجات عائلتي ولا أجعلهم يحتاجون لشيء".

 قبل الحرب كان الباص مصدر رزق وفير لمهدي، أما الآن فالحال تبدّل وتغيّر كثيراً، لقد أصبح يجني بالكاد قوت يومه.

أما محمد شاهين (28 عامًا) فوضعه موغلٌ في السوء، لا سيما بعد توقفه عن القيادة بسبب عدم قدرته على شراء السولار بالسعر الذي يباع به في السوق، بينما المقابل الذي يحصله "لا يغني ولا يسمن من جوع" على حد تعبيره.

يقول لـ"نوى": "عملت في الحرب لعدة أشهر، لكن مع ارتفاع ثمن السولار لم أعد قادراً على سد احتياجات عائلتي وتصليح السيارة وما يلزمها".

ومع ارتفاع ثمن السولار، ارتفعت أجرة الركاب، "في ظل ظروفهم المادية الصعبة، إذ لا يستطيعون دفع أكثر من خمسة شواقل للسائق (وهو مبلغ كبير للعلم) فيُضطرون للمشي مسافات طويلة، وتوفير الأجرة لجلب طعام عائلاتهم".

أما السبب الأكبر لتوقف شاهين عن العمل، فهو إغلاق الاحتلال الإسرائيلي للمعابر، ومنعه إدخال قطع غيار للسيارات. يخبرنا بحسرة: "الطرقات مدمرة ومليئة بالركام، وحين تتعطل سيارتي لا أجد قطع غيار بديلة، وإن توفرت بالأسواق فتكون مهترئة، وتركيبها يزيد من أعطال السيارة، ويدمرها على المدى البعيد"، معبرًا عن أمنيته الشديدة بانتهاء الحرب، وعودة الحياة للقطاع الذي تتواصل عليه الحرب منذ أكثر من 14 شهرًا مضت.