"سجى".. ضحية "مسرحيةٍ إنسانية" على ظهر دبابة!
تاريخ النشر : 2024-12-05 15:47

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

"لم أتخيل يومًا أن ألمس دبابة، أن أركبها! أن يلتف حولي جنود الاحتلال ويجعلونني "محتوى" على صفحاتهم في منصات التواصل الاجتماعي، بعد أن كنتُ هدفًا لنيرانهم" تقول سجى عبد ربه بقهر.

في كل يومٍ كان يمر في الإبادة، كانت سجى تظنُّ أنها تعيش أسوأ أيام حياتها، فيأتي في اليوم الذي يليه "الأسوأ"، الذي لا يستوعبه عقلٌ بشري، حتى جاء ذلك اليوم، الذي جعل فيه الجنود سجى هدفًا مزدوجًا: بطلة مسرحية، وضحية موتٍ يتربّص!

سجى فتاة في العشرينيات من عمرها، تسكن بلدة بيت لاهيا شمالي قطاع غزة، التي تتعرض اليوم لأبشع المجازر الإسرائيلية، ضمن مخطط تهجير سكانها، الذين فضلوا البقاء برغم الحصار والقصف والمجاعة والتوغل البري.

في الحادي والعشرين من أكتوبر/تشرين الأول لعام 2024م، هبطت طائرة مسيرة "كواد كابتر" لنقطة منخفضة في مدرسة حفصة التي نزح الناس إليها في المدينة، أخذت تجوب الممرات وتطالب بلسان جندي بالإخلاء، تزامنًا مع قصف مدفعيٍ لساحة المدرسة ذاتها.

تقول سجى: "ما أن سمعنا مطالبات الإخلاء حتى بدأنا نجهّز أنفسنا، ضربوا قذيفة على الخيام التي نصبت تحت الصف الدراسي الذي نزحت إليه. أصبت بشظية في صدري. مع قوة الاستهداف طرت إلى مكان آخر. لم أشعر بإصابتي، قمت لأتفقد أهلي، فإذا بهم يصرخون: سجى أنتِ مصابة"، وهنا بدأت الحكاية.

أخذت أم الشابة تحاول إسنادها، ثم توجهت بها نحو بوابة المدرسة. سارتا باتجاه مستشفى كمال عدوان مع كل الناس الذين اتخذوا ذلك الطريق مسارًا. الطريق كانت معبّدةً بالدماء، بالأشلاء المتناثرة والجثامين التي تكومت من شدة القصف. كانت الطائرات تستهدف النازحين أينما ولوا وجوههم، والمحظوظ فيهم فقط من شاءت الصدفة فلم يصب بشظيةٍ ما.

وصلت عائلة سجى الحاجز الذي نصبه الجنود، تخبرنا: "طلب الجيش أن يتقدم الجرحى للأمام فصحبتني أمي، طلب منها الجندي الرجوع إلى الخلف وقالت إنني مصابة وحالتي خطيرة، لم يسمع منها وقال: ليتقدم الرجال أولًا، تقدم أبي بي، فطلبوا مني التراجع، ومن أبي البقاء مكانه".

تحت بند يزعمون فيه الإنسانية قالوا "خلينا ناخذها نفحصها"، والفحص أين يسير؟ يسير على متن دبابة مدججة بالأسلحة، الدبابة نفسها التي تطلق نيرانها صوب الأطفال والنساء والرجال وكبار السن، تدميهم أرضًا فتقتلهم، لكن الأسلوب هذه المرة مختلف، جرحوا الشابة ثم ادعوا أنهم سوف يوفرون لها العلاج المناسب على عين كاميرا أحد الجنود؛ لبثها عبر مواقع التواصل.

"قبل الفحص، استدعوا جنديًا فتح هاتفه وقام بتصويري وأنا داخل الدبابة. ركبوا لي "كاينولة" بيدي. يبدو أنه لا يعرف كيف يركبها، كان يجرب بي. الأمر يسير بالمحاولات فقط، يفعلون هكذا وهم يصورونني".

تشرح سجى: "قبل الفحص، استدعوا جنديًا، فتح هاتفه وقام بتصويري وأنا داخل الدبابة. ركبوا لي "كاينولة" بيدي. يبدو أنه لا يعرف كيف يركبها، كان يجرب بي، الأمر يسير بالمحاولات فقط، يفعلون هكذا وهم يصورونني".

إجراءات بسيطة ومعاملة حسنة لدقائق، كي تكتمل مسرحية الترويج للجيش "الأخلاقي"، أمام عالمٍ يحاول تصديقهم ويغض بصره عن كل المجازر المرتكبة بأيديهم.

بماذا فكرت في هذه اللحظة يا سجى؟ تجيب "لم أفكر سوى أنني قيد الاعتقال، أو مشروع قتل قادم بطريقة مختلفة، لم أصدق أبدًا وجههم الكاذب، فنحن الذين حفظنا نيرانهم التي تلتهم قلوبنا في كل لحظة، وملابسي الممتلئة بالدم كانت شاهدة حينها".

بعد انتهاء "مسرحيتهم" حسب وصفها، تركوها لتسير هي ووالدها الذي لم يسمح له بمرافقتها، وطلبوا منه انتظارها في مكان قريب، وما أن استقبلها حتى حاول أن يحملها كونها لم تستطع المشي لكنه رجل مسن لم يقوَ على ذلك.

من أجله ضغطت الشابة على جرحها، وحاولت بكل قوتها السير قليلًا والاستناد عليه. مشت لساعات طويلة في مسافة ربما لن تتجاوز ١٠ دقائق بالسيارة.

بعد عناء وصلت سجى مستشفى المعمداني وسط مدينة غزة، خضعت لعملية جراحية بعدما وصفت حالتها بالخطيرة، كونها تعاني نزيفًا داخليًا. وأما أبوها فارتمى أرضًا، وأخذ يبكي بقهر على حالهما.

تقول: "شاهدته هكذا فغبت عن الوعي، ومنذ تلك اللحظة. ربما تحسنت صحتي الجسدية لكن الحدث أراه بعيني بكل تفاصيله على مدار الساعة". وتكمل: "أظن أنني سأعيش في التفاصيل بقية عمري، لن أخرج منها أبدًا".