حمّلت الهدايا من "جنين" ودُفنت في غزّة "شهيدة"!
تاريخ النشر : 2024-12-01 12:52

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

"طول عمرها بنت عز ودلال" تسبقها الحقائب الملآنة بالهدايا، قبل أن تطأ قدماها أرض غزة في كل مرةٍ كانت تزور فيها ابنها أو ابنتها المتزوّجَين هناك.

تلفُّ أسواق جنين قبلها بأيامٍ، فتقتني كل ما تراه جميلًا لأبنائها وأحفادها الذين كانت تحفظ أشكالها ومقاساتهم عن ظهر قلب. ترتّب الحقائب الكثيرة، وترسلها عبر شركات شحن إلى غزة إشعارًا منها باقتراب الوصول. يفرح الأطفال، فـ"تيتة" الغالية ستمكث معنا أيامًا طوال، وستحكي لنا الحكايات وتصنع الدفء في ليل الشتاء البارد.

هذا كله انقلب رأسًا على عقب، عندما اندلعت الحرب، وكانت الزيارة الأخيرة للجدة.. حرفيًا: الأخيرة!

بدأت القصة، عندما امتثلت الحاجة أحلام علاونة لرغبة ابنتها لينا التي استبد بها الشوق، فتوجهت من الضفة الغربية إلى قطاع غزة. "لقد سبق مجيئها وصول حقائب ملأتها بكل ما ترى أنه من الممكن أن يُدخل السعادة على قلوب أبنائها وأحفادها".

وقضَت الحاجة علاونة أسبوعين فاضا بـ"الدفء والونس" مع ابنتها لينا (تزوجت في غزة منذ عام ٢٠٠٣م) وابنها "الساجد لله"، الذي اختار القدوم لغزة والزواج من فتاة غزية منذ قرابة سبعة أعوام.

مضى الوقت السعيد سريعًا، لكن الحال كله انقلب في السابع من أكتوبر 2023م." كانت بداية الحرب قاسية جدًا في شمالي القطاع، حيث فوجئت بانهيار المنزل في حي الشيخ رضوان فوق رأسي أنا وزوجي وأطفالي دون سابق إنذار. نجونا، وحينها قررنا النزوح إلى الجنوب خوفًا على حياة العائلة" تقول لينا ابنة الحاجة أحلام.

تضيف بقهر: "ألححت على والدتي كثيرًا بأن ترافقني، لكنها رفضت، حيث كانت تهيء نفسها للعودة إلى الضفة الغربية، إذ حصلت على تنسيق بذلك من قبل قوات الاحتلال. رأت أن تبقى في الشمال لعل معبر إيريز يفتح أبوابه، وتتمكن من العودة".

حزمت لينا حقائب الظهر لأسرتها استعدادًا لرحلة النزوح المريرة، على وقع وعد من والدتها مفاده "إن ما فتحش المعبر، يومين وبلحقكم"، لكن ما حدث لم يدر بخيال علاونة وابنتها يومًا. ما هي إلا أيام قليلة حتى ألقى الاحتلال برميلًا متفجرًا في المنطقة التي تتواجد فيها الحاجة علاونة وابنها، ليجدا نفسيهما في الشارع بعد أن انهار البيت تمامًا.

هنا بدأت رحلة النزوح التي قصمت ظهر "ابنة العز"، من التنقل بين مراكز الإيواء والمدارس وبيوت بعض العائلات التي احتضنتها، ليستقر بها المطاف في بقايا بيت عائلة زوج لينا. "وما زاد المرارة في قلبها، أن المال الذي كان بحوزتها نفد تمامًا في ظل غلاء الأسعار المرعب" تزيد، ناهيكم عن أن أحدًا من أفراد عائلتها في الضفة، لم يستطيع تحويل أي مبالغ مالية لها نتيجة توقف الحوالات تمامًا من هناك إلى غزة.

وفي الوقت ذاته، كانت أوضاع ابنها صعبةً للغاية، فقررت الحاجة علاونة بيع كتب الأذكار الشرعية لمرتادي "المشفى المعمداني" في غزة، حيث كانت تخرج صباحًا وتعود بعد العصر مع ابنها الذي يمر لتوصيلها بعد انتهاء عمله.

غزت جسم السيدة المسنة الأمراض بسبب انعدام التغذية الصحية واضطرارها لشرب الماء الملوث في فترات حصار الاحتلال لمكان سكناها بغزة، فعانت من الحصوات في الكلى، إلى جانب معاناتها السابقة من آلام شديدة في الظهر.

تعقب: "كان قلبي يتقطع وأنا أسمع أن صحة أمي تتدهور يومًا بعد يوم، وهي عاجزة عن شراء أدويتها ومسكناتها التي لم تكن تستطيع النوم دون تناولها".

وكانت علاونة تتعالى على أوجاعها لتذهب يوميًا إلى العمل، لعلها تستطيع شراء الدواء الخاص بها. تردف لينا: "أمي عاشت الخوف، والنزوح، والجوع، والمرض، والفقر. فقدت كل العز والدلال الذي عاشته منذ نعومة أظافرها في الضفة، وانقلب الحال بها كما انقلب بكثيرين من أهل غزة".

ولم يكد يمر وقت طويل على الاتصال الأخير بين الحاجة علاونة ولينا تبشرها به بأنها قد حصلت على تحويلة طبية من قبل "منظمة الصحة العالمية"؛ للعلاج في الأردن، وأنها تجهز نفسها للسفر، حتى انتهى كل شيء، وانقطع حبل الأمل الوحيد باستشهادها.

"قالتلي تقلقيش، بس أوصل حكلمك، وابعتلك فلوس تعينك على هالحال الصعب".

تردف ابنتها بحرقة: "قالتلي تقلقيش، بس أوصل حكلمك، وابعتلك فلوس تعينك على هالحال الصعب".

كان من المقرر أن تسافر الحاجة علاونة في الرابع من تشرين ثاني/ نوفمبر 2024م، لكن القدر شاء أن تسافر من غزة إلى السماء.. في الأول من الشهر ذاته، إثر قصف إسرائيلي استهدف سوق فراس أثناء مرورها بجانبه وهي عائدة من المستشفى المعمداني، لترتقي شهيدة في أرض غزة التي أحبّتها وتقاسمت المعاناة بكل صنوفها المرة مع أهلها.