غُربةٌ في "قبر".. إليكم قصة ابنة غزّة "أميرة الصباغ"
تاريخ النشر : 2024-11-18 13:38

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

لم تكن آلام السرطان التي غزَت جسدها الغض سبب تأوهها وحزنها فقط، بل الشوق لوالدها الذي كانت تلازمه كظله. هذه المرة، غفت للأبد، بعيدةً عنه، وحيدةً تشكو ظلم الاحتلال الذي فرق بينها وبينه، في أصعب ظرفٍ يمكن أن يعيشه المرء في حياته.

قبل عام ونصف، كانت أميرة الصباغ (12 عامًا) تعيش الحياة بشغف. طفلةٌ مميزةٌ يحبَّها كل من يعرفها لذكائها ونباهتها وحسن سلوكها، كيف لا؟ وهي بكر العائلة، والبنت التي ملأت بيته عائلتها بشهادات التفوق والتقدير في الدراسة والأنشطة اللامنهجية.

"كانت في كل يوم تُدخل الفرح بشكلٍ مختلف إلى البيت. كنتُ ووالدتها مؤمنَين بأن مستقبلها القادم سيكون باهرًا مزدهرًا، وأنها ستكون رقمًا صعبًا في أي مجالٍ تتعلمه" يقول والدها هيثم الصباغ (42 عامًا) لـ"نوى".

في بيت الأسرة المجاور لمفترق السرايا وسط مدينة غزة، كان الفرح يتمثل بالنسبة للأب المكلوم في رؤية "أميرة" وشقيقتها الوحيدة "ميرا" (7 سنوات) تكبران أمامه، تتعلمان كل يومٍ شيئًا جديدًا، وتتطوران فيما تحبان. كانت الطفلتان بالنسبة له "حصاد العمر"، كونه لم يرز بغيرهما أطفالًا.

قبل اندلاع الحرب بأشهر قليلة، تحديدًا في أغسطس 2023م، فاجأ القدر هيثم بمدللته يلازمها الصداع طوال الوقت، ما اضطره إلى طرق أبواب الأطباء بحثًا عن مسكن لهذا الألم، الذي لم تكن قادرة على احتماله، "إلا أن الارتباك الذي بدا على وجه طبيب المخ والأعصاب، الذي توجهتُ إليه بعد عجز أطباء آخرين عن تشخيص سبب الصداع، أوقع في قلبي الخوف، بأن يكون مكروهًا قد أصاب "حبيبة الروح"، رغم اجتهاد الطبيب في طمأنتي بأن طلبه لصورة أشعة مقطعية للدماغ هو فقط للاطمئنان".

صدمة العمر

هرول بابنته تجاه مستشفى الرنتيسي التخصصي، وأجرى الصورة المقطعية، ومما زاد قلقه أن الطبيب الذي أشرف على الصورة لم يخبره بما فيها، بل اكتفى بإخباره أنه سيتواصل مع طبيب المخ والأعصاب الذي حوّله إليه.

في العيادة، صُدم الصباغ بأن ابنته الرقيقة تعاني من ورم في الدماغ، ويستلزم الأمر تحويلة عاجلة إلى مستشفيات الأراضي المحتلة عام 1948م. لم يكن أمامه وزوجته الكثير من الوقت لاستيعاب الصدمة. جهّزت إيمان "والدة أميرة" نفسها على عجل، وسافرت بابنتها إلى مدينة القدس.

وهناك أجرى الأطباء لها فحوصات وأكدوا صحة التشخيص في غزة، وأعادوها إلى المدينة على أن تعود مجددًا بعد أسبوعين، لكن لم يدُر في خلد الأسرة، أن هذا سيكون اللقاء الأخير بين أميرة ووالدها وشقيقتها ميرا.

بينما كان القلق يغزو قلب والدها، كان مضطرًا لحمل ميرا ووالده المقعد ووالدته المسنة في رحلة نزوح مريرة من شمالي القطاع إلى جنوبه.، حيث استقر به الحال في خيمة بمواصي خانيونس.

اندلعت الحرب الإسرائيلية على غزة في شهر أكتوبر، وانقلبت الأمور رأسًا على عقب، وانشطر قلب الأب بين زوجته وابنته التي انقطع الاتصال بينه وبينها لفترات طويلة بسبب انقطاع الإنترنت والاتصالات.

وبينما كان القلق يغزو قلب والدها، كان مضطرًا لحمل ميرا ووالده المقعد ووالدته المسنة في رحلة نزوح مريرة من شمال القطاع إلى جنوبه، لينتهي به المطاف في خيمة بمواصي خانيونس؛ فيعيش فصولًا من الحياة القاسية التي يعيشها النازحون، بدءًا من تحصيل الماء والطعام، وليس انتهاءً بالعناية بابنته الصغيرة ووالديه المسنّين وحده.

في مدينة القدس، كان قلب إيمان يلتاع شوقًا لـ"ميرا" ووالدها، ويعتمل في قلبها الخوف عليهما من أن يصيبهما مكروه من ويلات الحرب المريرة، فيما يتقطع القلب ذاته ألمًا لرؤية أميرة وهي تذبل يومًا بعد يوم، حيث جلسات الإشعاع تحرق جسدها الغض دون فائدة.

وما كان يزيد من غصة قلب إيمان، هو شوق أميرة لوالدها وشقيقتها، فكانت لا تفتأ تذكرهما وتطلب من والدتها قطع رحلة العلاج والعودة إلى غزة، وكأنها كانت تريد أن تحظى بالحضن الأخير منهما، وأن تشبع من رائحتهما ولو لمرة واحدة.

ظل التدهور ملازمًا لحالة أميرة حتى فقدت القدرة على الحركة والنطق والرؤية، وأصبحت كجسد هامد، إلى أن توفاها الله.

حتى بعد الوفاة لم يرحم الاحتلال أسرتها وما مرت به طوال رحلة العلاج والتشتت المريرة، فقرر دفن الجثمان في مدينة رام الله، ومَنَعَ والدتها من حضور الجنازة!

رحلت أميرة بصمتٍ كما رحل كثيرون من مرضى غزة، الذين علقوا في مستشفيات الضفة الغربية والأراضي المحتلة حيث كانوا يتلقون العلاج قبل الحرب، لكنها كانت أكثر حظًا بأن حظيت بجنازة رسمية نظّمها جهاز الشرطة الفلسطينية، (حيث أن والدها أحد أفرادها في قطاع غزة)، بالإضافة إلى اللجنة المركزية لحركة " فتح"، الذين تكفلوا بمراسم دفن أميرة، التي غابت تحت التراب دون أن يحظى والدها بلحظة وداعٍ أخيرة، وهو ما خفف قليلًا من وطأة المحنة عليه وفق تعبيره.

يأمل والد أميرة، أن تنتهي الحرب قريبًا، وأن يتمكن من الخروج من قطاع غزة برفقة ابنته الصغيرة؛ ليلتقي بزوجته، ويحاول برفقتها تجاوز مرارة ما مرّا به. "أما فكرة مجيئها لغزة -على استحالتها حاليًا- فتعني أنها ستعيش ظروفًا قاسية ترهق قلبها بدلًا من أن تخفف عنه حجم المصاب" يختم.