"درعٌ بشريٌ" واجَهَ الموت (15) مرة.. على مقدمة دبابة!
تاريخ النشر : 2024-11-13 15:40

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

"ألبسونا الزي العسكري وخوذة رأس مُركب عليها كاميرا تصوير. أرغمونا على دخول المنازل، بينما طائرات كواد كابتر فوقنا تحوم" بهذه الكلمات، بدأ المفرج عنه مؤخرًا محمد سعد قصة تحويله لدرعٍ بشري لجنود الاحتلال برفقة 19 فلسطينيًا آخرين.

بدأت الحكاية، عندما أُرغم سعد (20 عامًا) على النزوح من مخيم جباليا شمالي القطاع في تاريخ 8/11/2023م، بعد قصف طائرات الاحتلال منزل عائلته، وإصابة والده الذي استشهد جريحًا نازحًا في مدينة رفح جنوبًا.

انتقلت العائلة المكونة من سبعة أفراد إلى خانيونس بعد خمسة أشهر. كان المعيل الوحيد لعائلته قبل أن يعتقله الاحتلال، ويريه أصناف العذاب معتقلًا، ودرعًا بشريًا يواجه الموت كل لحظة، في مقدمة أي اقتحام.

"مش قادر أنسى الأيام اللي عشتها أثناء اعتقالي وتعذيبي وتعرضي للتجويع، لمدة 47 يوم. شفت الموت، وما توقعت أبدًا أنجو من يد الجنود" يقول بقهر.

ويكمل: "في الثالث والعشرين من يونيو/حزيران الماضي، خرجتُ بحثًا عن عمل، أو مساعدات إنسانية لعائلتي، وتوجهت برفقة مجموعة من الشبان إلى معبر كرم أبو سالم، لكننا هناك اعتقلنا فورًا تحت بند الاشتباه".

في أول يوم بعد اعتقاله، وصل مكانًا برفقة 19 آخرين. احتشدت هناك جيبات لجيش الاحتلال، فأخذهم الجنود، ووضعوهم داخل خيام على حدود غزة لمدة 3 أيام. يتابع: "بعدها خضعنا لتحقيق صارم عن المقاومين، وما كنا نفعله عند المعبر، وأيضًا سألونا عن عيون الأنفاق، وعن الأسرى الإسرائيليين، وكنا نجيب على الدوام بأننا نبحث عن إعالة لأسرنا ولا نعلم أي شيء عن ما يسألون عنه".

يومٌ كامل على الرمال، قضاه الشبان تحت أشعة الشمس بأيدٍ مقيدة، في حين نقلوا مساءً لغرف تابعة للجيش. "وبعد يومين، جاء جندي يتحدث باللغة العربية، أخبرنا أننا سنرافق الجنود لتصوير المنازل في غزة قبل دخولهم، للبحث عن مقاومين.. باختصار كأدرع بشرية".

يؤكد سعد أنهم رفضوا طلب الجندي، لكنه أرغمهم بعد تهديده بقتلهم وقتل أفراد عائلاتهم جميعًا.

يزيد: "خرجنا في 15 مهمة مع الجنود، لكن آخر مهمة كانت مختلفة، أخبروني بأنني سأذهب إلى تدريب للجيش، وعلي الدخول إلى دبابة تركها الجنود، من أجل تصويرها من الداخل".

كانت فرحة محمد لا توصف، عندما وصل غزة. لم يكن يتوقع أن يعود حيًا بعد المهمات التي نفذها، "ففي كل مرة كنت أقول هذا آخر يوم لي في الحياة".

رفض محمد القيام بالمهمة خشية أن تكون الدبابة مفخخة، فضربه الجندي بالبندقية على ظهره، وطلب منه المغادرة قبل إطلاق النار عليه.

يصف محمد لحظات اعتقاله وكأنها "حكم إعدام"، قائلًا: "بدأتُ أنزف بعد إصابتي بطلق ناري، وأغمي عليّ. استيقظتُ في اليوم التالي، ووجدت نفسي في المستشفى ومكثت فيه يومين، وقد أخبرني طبيب أنني أعاني من كسر في الريشة الخامسة، وقد أدى إلى نزيف بالرئة".

يخبرنا: "بعد يومين، أتاني أحدهم، وكتب لي على الجوال رسالة: بكرة على غزة، وظل عقلي محكومًا لفكرة أنني قد أعود حقًا لكن كجثة. أخذني جنود في سيارة إسعاف لمعبر كرم أبو سالم، هناك وجدت سيارة إسعاف من غزة، نقلتني إلى مجمع ناصر الطبي".

كانت فرحة محمد لا توصف، عندما وصل غزة. لم يكن يتوقع أن يعود حيًا بعد المهمات التي نفذها، "ففي كل مرة كنت أقول هذا آخر يوم لي في الحياة، في كل مرة كنت أرى الموت بعيني مئة مرة".

خلال تلك الأيام، لم يستحم، ولم ينم ليلةً كاملة، بسبب الحشرات التي كانت جسده.. كان يتعرض للضرب بسبب وبدون سبب، ويعيش الجوع والتعذيب كل لحظة.

خلال 47 يومًا، كان محمد يتعرض للضرب بسبب وبدون سبب، عاش التعذيب والخوف والجوع، وقدم إليه فتات الطعام، الذي لا يغني ولا يشبع جوعًا. كان ينام برفقة اثنين على فرشة واحدة، يمر الجنود من فوقهم متعمدين ضربهم بالبساطير، ناهيكم عن حرمانهم من العلاج.

خلال تلك الأيام، لم يستحم، ولم ينم ليلةً كاملة، بسبب الحشرات التي كانت جسده.. كان يحلم باللحظة التي ينتهي فيها كل شيء. "أن أعود لأرى وجه أمي، وإخوتي. أن أطمئن على أحوالهم، فأنا معيلهم الوحيد".

يحكي عن شعور عائلته بعد الإفراج عنه، ويقول: "كنتُ مصابًا في المشفى عندما رأيتهم. لم تصدق أمي عينيها، ولم أستطع أن أستوعب أنني بينهم مجددًا! نسيتُ كل وجعي عندما سمعت دعوة أمي لي بالصحة والعمر المديد، وغفوتُ لأول مرةٍ مرتاحًا بعد أيامٍ طويلة من التعب ومواجهة الموت الزؤام".