غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
في خيمة قماشية صغيرة أقيمت على ملعب اليرموك، كانت شفا سلامة (55 عامًا) تجلس برفقة ابنها المصاب محمود (14 عامًا) بعد أن نجيا بأعجوبة من حصار مستشفى كمال عدوان.
قُدر لشفا النجاة لتروي الفظائع التي ارتكبها جنود الاحتلال بحق المكان الطبي المخصص لعلاج المصابين، حين كانت في تاريخ الرابع والعشرين من أكتوبر الماضي، تجلس في غرفة الجراحة برفقة ابنها الذي بُترت قدمه اليسرى بعد إصابتها بشظايا صاروخ، فاقتحم الجنود المستشفى.

وتقول: "كانت ليلة الجمعة، كنت أتلو بعض آيات القرآن الكريم، وفجأةً سمعتُ أصوات انفجارات تحيط المشفى من كل جانب، تبعتها قذائف مدفعية! طائرات الكواد كابتر تحوم في الساحة بين خيام النازحين والأقسام الطبية، بينما الدبابات تتقدم بسرعة ٍ كبيرة حتى أصبحت فجأة داخل المشفى".
وتتابع: "انهمر الرصاص، وانكسر زجاج النافذة بجانب ابني المصاب مما أدى لتهشم وجهه. شعرنا برعبٍ كبيرٍ جدًا، وكان القسم من حولنا مكتظًا بالمرضى والمصابين. أدركنا بعد دقائق قصيرة أن هناك اقتحام، تبعه دخول الجنود للمشفى وتنقلهم بين الأقسام مدججين بالأسلحة".
"الجنود هاجموا النازحين في المشفى ما بين ضرب وتنكيل وشتم، ثم طلبوا منا النزوح إلى غرب غزة، من خلال الممر الذي يزعمون أنه آمن".
طلبوا من الجميع النزول لقسم الاستقبال في الأسفل خلال دقائق، "ومن يخالف سيتم إعدامه". وتحت مقصلة المهلة التي منحها جنود الاحتلال للمرضى والجرحى والنازحين، سارت شفا مع ابنها محمود مبتور القدم، الذي كان يتكئ على كتفها ومعه المرضى يجرون أجسادهم الهزيلة، فيما كانت الكوادر الطبية تحاول إنزال العاجزين والمسنين على شيالات الإسعاف.
تضيف: "تجمّعنا في الأسفل، وظننّا أنهم سيقتلوننا جميعًا وبدأنا بنطق الشهادتين. كانت معنا الكوادر الطبية الذين طُلب منهم ترك المشفى والخروج، ثم اعتقلوا عددًا منهم. بعضهم أجبروا على خلع ملابسهم"، مردفةً: "الجنود هاجموا النازحين في المشفى ما بين ضرب وتنكيل وشتم، ثم طلبوا منا النزوح إلى غرب غزة، من خلال الممر الذي يزعمون أنه آمن".
نزحت شفا وانبها المصاب محمود سيرًا على الأقدام تحت نيران القصف المدفعي والقصف الإسرائيلي عبر ذلك الممر، تقول: "تعفنت قدمه لأنه لم يستكمل علاجه. مشينا طويلًا، وبعد تجاوز الممر الذي يربط مخيم جباليا بقلب المدينة، وجدتُ عربة يجرها حيوان، ساعدتنا في الوصول إلى مخيم النازحين، بعد أن عاشت أهوال الموت ونجت.
"على التمر"
محمود عايش (30 عامًا) هو الآخر نزح من مخيم جباليا إلى مشروع بيت لاهيا بجانب مستشفى كمال عدوان بعد إبادة المخيم، وحوصر في شقته المجاورة لأسوار المشفى لمدة أسبوع كامل -وفق حديثه- دون ماءٍ أو طعام. كان يعتاش على التمر فقط ليسد جوعه.
يروي شهادته حول اقتحام جيش الاحتلال وحصاره مستشفى كمال عدوان، فيقول: "دخلت الآليات الإسرائيلية إلى المشفى وهدمت أسواره وسط إطلاق نار كثيف، وجرّفت الدبابات الخيام وحرقت ممتلكات النازحين، كنت أسمع صوت صراخ جنود الاحتلال على المرضى لإجبارهم على السير وهم عاجزين من شدة الألم، ثم تركوهم دون علاج".
"كانت طائرات "الكواد كابتر" المسيرة تطلق نيرانها بشكل عشوائي على الجميع دون أن تفرق بين مسن أو مريض أو طفل أو امرأة حامل".
يزيد: "كانت طائرات "الكواد كابتر" المسيرة تطلق نيرانها بشكل عشوائي على الجميع دون أن تفرق بين مسن أو مريض أو طفل أو امرأة حامل".
ووفق ما ذكر محمود، فقد عاشوا في مشهد يكاد يكون أقرب من أهوال يوم القيامة، ينامون ويستيقظون في رعب، والموت يتربص بهم.
يضيف: "قصفوا محطة الأكسجين الرئيسة داخل المستشفى وعطلوها عن العمل، أتلفوا الأدوية بالمستشفى ومنعوا أي أحد من إنقاذ الجرحى".
محمود حتى اللحظة، موجود قرب مستشفى كمال عدوان، يرفض النزوح لأي مكان "صامدًا في مخيم جباليا رغم الإبادة والدمار".
اعتقال وتنكيل
خلال اقتحامه المشفى، اعتقل الاحتلال الشاب رمزي عادل (26 عامًا) لمدة 72 ساعة، واقتادوه معصوب العينين مكبل اليدين إلى مناطق مجهولة في قطاع غزة، مع مئات المعتقلين وسط ضرب وشتم وتنكيل.
يقول بعد أن أُفرج عنه: "أخذني الجيش بينما كنت نازحًا إلى غزة عبر ما يطلق عليه اسم الممر الآمن. نادوا عليَّ بالميكرفون وبدأ الضابط التحقيق معي بأسئلة عن المقاومة. أجبتهم أنني لا أعلم شيئًا، فصار يقول لي سوف نقتلكم جميعكم، وانهال علي بضرب مبرح، ثم سحلني الجنود ووضعوني بمركبة ورموني برفقة عدد من الأسرى عند المناطق الشرقية لمخيم جباليا. هناك هجمت علينا الكلاب الضالة، واستطعنا النجاة بأعجوبة، ثم نزحنا إلى مناطق غرب غزة".
ومن الجدير ذكره، أن جنود الاحتلال، اقتحموا في الرابع والعشرين من أكتوبر/ تشرين أول الماضي، مستشفى كمال عدوان شمالي قطاع غزة، واستمر بحصاره لمدة خمسة أيام، ثم انسحب مخلفا دمارًا واسعًا بحق البشر والحجر.
