غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
تنظر تحرير أبو مصطفى (42 عامًا)، من مدينة خانيونس، جنوبي قطاع غزة، في عيون عروسةٍ أنهت صنعها للتو وتبتسم. تحدّثُها وتضحك كما لو كانت ابنتها الصغيرة: "متى تكبرين يا حلوة؟ متى أفرح بك وتصبحين عروسةً بحق؟".
لم تتخيل "تحرير" أن تصبح عرائس ودمى الأطفال التي تصنعها، مدخلًا لكسب الرزق في هذه الحرب الضروس، وهي التي تعلمّتها بدورة "أون لاين" مدفوعة، عام 2017م، ولم تتخيل أنها ستكون طوق نجاة بعد موتٍ محقق شهدته في بيتها خلال شهر رمضان الماضي.
من شرفة منزلها المدمرة معظم جدرانه، تشير إلى مجمع ناصر الطبّي. تتنهد وتخبرنا كيف عايشت في هذا المكان "الموت" بأشكاله، عندما اقتحمت قوات الاحتلال المشفى في يناير/ كانون الثاني الماضي، ونجت بأعجوبةٍ برفقة صندوق الخيطان والدمى.
عندما كانت تحرير برفقة زوجها وابنها قاسم وابنتها رولا، ووالدة زوجها المقعدة في المنزل، تقدّمت قوات الاحتلال كثيرًا. راودهم حينها سؤال واحد: "هل سننجو؟".
وسط دوامة القلق العارمة، فجّر الجنود حائط المطبخ بقنبلة، قطعت إصبعًا في قدم زوجها المريض، الذي كان يصلح عطبًا في جرة الغاز. تقول: "اعتقلوه هو وابني قاسم (20 عامًا)، ونادوني وابنتي لنخرج إلى الشارع ونتبع التعليمات".
طلب منها الجنود من بعيدٍ أن تخلع حجابها هي وابنتها، وأن ترفع العباءة حتى الرقبة، وأن تفتش نفسها بنفسها بينما تصورهن طائرة! طلبوا منهما الانتقال إلى المواصي، فتوسلت أن تبقى بجانب عمتها المقعدة، حتى تم مرادها بشرط "أن لا يظهر ظلها من نافذة أو باب وإلا سيكون الموت مصيرهن جميعًا".
على بعض علب المعلبات المخزنة عاشت النسوة الثلاثة شهر رمضان، يأكلن منها بضع حبيبات ليبقين على قيد الحياة فقط، ويتمكنّ من متابعة الصيام في اليوم التالي. تضيف: "كان من ضمن الشروط لبقائنا في البيت أن تدخل علينا طائرة كل بضع ساعات لتصورنا هنا".
تستذكر تحرير ضحكات الجنود التي كانت تتعالى كل فترة تحت شباك البيت، وحالة الهلع والبكاء التي كانت تصيبهن حينما ينسحب الجنود تاركين ورائهم رائحة غاز، فيعتقدن أنهم قرروا قتلهن خنقًا.
أيام عصيبة جدًا، خرجت منها تحرير بأزمة نفسية حادة. عاد لها زوجها بعد التحقيق ليخبرها بأن قاسم اعتُقل، وأنه أسير في "عوفر".
تخبرنا: "هنا وكأن الله حفظ لي قطع العرائس والكروشيه حتى يسلي عن قلبي". خلف الستارة كان صندوق العرائس والألعاب مختبئًا بشكل عفوي. لم يره الجنود وإلا لكانوا حطموه كما فعلوا بكل الأثاث.
تضيف: "أمسكتُ عرائسي وخيطاني. حضنتها جميعًا، وهمست في آذانها وكأنها تسمعني: يلا أكملكم، وأجيبلكم إخوة وأخوات".
تطرز تحرير عيون دماها من الصوف والحشوات. تظهرها لامعة لتخفف عنها شحوب الحرب -كما تعبّر- و"تعطي كل قطعة من روحها" لتصنع منها فردًا جديدًا في عائلتها المحبة.. "التي لا تعرف حقدًا أو ضغينة، ولا يمكن أن ترى فيها شكل الحرب أبدًا".
تزيد: "حتى حينما ضاقت أمور بيتي المادية، كانت هذه الدمى سندًا لي، ومصدرًا للرزق".
تصنع تحرير العرائس واحدةً تلو الأخرى، وتبيعها للأطفال بأسعارٍ مقبولة، في الوقت الذي انعدمت فيه الدمى المستوردة، والبلاستيكية. تجد في صندوقها عرائس ناقصة..
"بعضها ينقصه الشعر، وبعضها الأحذية، والبعض الآخر الفساتين، هذا كله بسبب نقص المواد، وانتظاري لإعادة فتح معبر رفح، ودخول المواد الخام، التي إن وجدت في أسواق غزة، فإن أسعارها غير معقولة ولا مقبولة" تختم بانفعال.
