جُبن وبيض.. أغلى "هدايا الحرب" بغزة!
تاريخ النشر : 2024-11-03 13:10

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

فوجئت آلاء السوافيري، صاحبة المتجر الإلكتروني "أم براء سويت هوم"، صبيحة جمعةٍ من الأيام الطويلة تحت الإبادة، برسالةٍ من سيدةٍ غزّية تتواجد في مصر حاليًا، ترجوها إرسال أربعة "بكجات" (مغلفات) هدايا من الطعام، لأربع عائلات من أقاربها في مدينة غزة، ورجتها أن يكون ذلك قبل الظهر "لأنهم لا يجدون ما يأكلونه".

وبرغم أن السوافيري تعيش نفس ظروف أهل السيدة، وتواجه خطورة التحرك في مدينة غزة صباحًا بسبب القصف الإسرائيلي المتواصل، إلا أنها لم تستطع تجاهل الطلب، وجوع الناس الذين أعطتها السيدة عناوينهم في الرسالة، فانطلقت إلى السوق بحثًا عن أي شيءٍ يمكن أن يسد رمقهم، ثم عادت إلى البيت لتغليفه استعدادًا لإرساله فورًا.

تقول السوافيري لـ"نوى": "من يتابع صفحتي في موقع التواصل الاجتماعي انستغرام، يشاهد هدايا منمقة، لكن في زمن الحرب، وراء كل صورة معاناة شديدة. كل الهدايا طعام، وأيًا كان نوعه في هذه الأيام يعد الهدية الأغلى".

وفقًا لآلاء، لا يجد المغترب أو النازح إلى الجنوب، أو الخاطب أو القريب أو غيرهم شيئًا أغلى ثمنًا وأكثر ندرة في غزة ليهديه لأحبابه من الطعام، في حين يرى كثيرون في المشروع، الذي ترددت السوافيري كثيرًا قبل افتتاحه بسبب قسوة الظروف، طوق نجاة يمكنهم من خلاله توفير "لقمة" لأحبابهم الذين يتضورون جوعًا في غزة.

ولا تمضي ساعة، دون أن تصل لـ"السوافيري" رسالة من مغتربين أو مسافرين، يطلبون منها توفير طعام لعائلاتهم مهما كان الثمن مرتفعًا.

ولا يقتصر الأمر على المسافرين، بل يمتد إلى النازحين لجنوبي القطاع -الذين يعيشون معاناة شبيهة- فهذه فتاة تطلب من آلاء أن ترسل لوالدها ما يمكن أن يقتات عليه، وتلك مخطوبة ترجوها أن ترسل لخطيبها بغزة ما يمكن أن "يغمسه".

لم يعد الأمر بالنسبة لآلاء مجرد مشروع استثماري تحصل منه على قوت عائلتها، فقد حمل في طياته خدمة إنسانية لأناس عاشت وتعايش مرارة الظروف الصعبة في ظل المجاعة والغلاء، اللذان يضربان أطنابهما في غزة المحاصرة.

ثمن باهظ

الأسعار ـكما توضح السوافيريـ مرتفعة للغاية بسبب ندرة البضائع التي تدخل غزة، لكنها تعاقدت مع مصادر باتت توفر لها بعضًا مما يندر في أسواق المدينة. تشتري منه وقت توافره، وتبيعه لزبائنها.

وتقف أمام المشروع عقبات لا حصر لها،  أهما الوضع الأمني بالغ الصعوبة، من حيث القصف العشوائي والاجتياحات المتكررة التي تمنعها في غالب الأحيان من التحرك لتوصيل الطلبات. تقول: "حاليًا لا يمكنني الوصول لشمال غزة الذي كان لي زبائن كثر فيه، ويا للأسف، تصلني مناشدات يوميًا بان أوصل طعامًا لبعض العائلات المحاصرة في جباليا ومستشفى كمال عدوان، مع الاستعداد للدفع مهما كان السعر خياليًا، لكن بالطبع يغدو ذلك مستحيلًا تمامًا، ومخاطرة كبيرة بالنفس وبالسائقين الذين يستعدون للذهاب إلى تلك المناطق أصلًا".

الحديث عن شح البضائع في المدينة المحاصرة، بات أمرًا مفروغًا منه، والبحث عن مصادر للمواد الغذائية لم يعد بالأمر الهين، إلا أن السوافيري استدلت على بعض المصادر التي جعلتها تتميز بتوفير أصناف شحيحة تمامًا في الأسواق بغزة.

وعن صعوبة التوصيل، فذلك عائق آخر -تزيد- فغلاء سعر لتر زيت القلي، الذي يستخدمه أصحاب السيارات كبديل عن الوقود، جعل من سعر التوصيل مرتفعًا للغاية خاصة للأماكن البعيدة عن سكناها، لذلك تقوم بالتوصيل مجانًا للأماكن القريبة منها، تسهيلًا على الزبائن، فترسل ابنها سيرًا على الأقدام، أو ابن شقيقتها على دراجته الهوائية.

وتقف وعورة الطرق في ظل تدمير الاحتلال للبنية التحتية بغزة عائقًا آخر (وفق وصفها)، أمام سلاسة العمل، ويعرضها لخسائر كبيرة بين الفينة والأخرى، فقد تتلف الأغذية المرسلة، كالبيض على سبيل المثال، لا سيما وأن سعر البيضة في المدينة وصل لـ 15 شيكلًا، "وربما قد تتكسر المرطبانات الزجاجية التي تحمل بداخلها المربى أو الجبنة، وهذا كله أضطر لتعويضه من جيبي الخاص للزبائن" تتابع.

ويعد شح السيولة معاناة رابعة، حيث يشتري أغلب الزبائن عبر التطبيق البنكي، ما يعني أن السوافيري تعمل دون مال حي في يديها، ما قد يوفر المشروع بالتوقف بين الفترة والأخرى.

ويزيد من غلاء الهدايا، الارتفاع الكبير في أسعار مواد التغليف، "فرزمة أكياس التغليف التي كان سعرها خمسة عشر شيكلًا أصبحت بخمسة وستين، أما رزمة "الفيونكات" كانت بسعر شيكل واحد، وأصبح سعرها خمسة عشرة شيكلًا".

رغم ذلك، يصر الزبائن على تغليف الهدية لتصل إلى أصحابها بأبهى صورة، وكأنهم يحاولون أن يصنعوا بعض الفرح في ظل كل هذا الوجع الذي يعايشه المحاصرون الذين رفضوا النزوح هنا في مدن غزة والشمال، وفق تعبير آلاء.

وتجد السوافيري في مشروعها مصدر دخل بعد خسائر مادية كبيرة تعرضت لها هي وأسرتها خلال الحرب، حيث فقدت منزلها ومعرضًا للأدوات المنزلية كانت تملكه، فيما فقد زوجها مزارع الدجاج التي كانت تدر عليه دخلًا.

"وكانت الخسارة الأكثر فداحة استشهاد ابني الأكبر براء إثر إصابته برصاص الاحتلال عند باب البيت، وتفرق شمل إخوتي بين الجنوب والخارج ومعتقلات الاجتلال التي أخذت منها أعز شخص أحبه، والدي" تزيد.

رغم أنها تجد في مشروعها تسلية لوقتها عن التفكير فيما أصابها، إلا أن من يعايش آلاء، يعرف تمامًا أن خلف كل "بكج" منمق تنشره السوافيري عبر حسابها، خلفه مشقة وتعب وسهر في ظل انعدام الكهرباء والأمان، واحتمالية نزوح وتشرد في أية لحظة، "حتى قبل إضفاء اللمسات النهائية عليه" تختم.