غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
كانت تحاول فتح عينيها، كما لو أنها صحت للتو من الغيبوبة! حنين الخضري (25 عامًا)، الناجية الوحيدة من عائلتها التي مُسحت بالكامل من السجل المدني، قررت اليوم أن تروي الحكاية، أن توثق ما حدث لعائلتها في ظل الإبادة، "حتى لا تموت ويُنسوا" -تقول- "فهم ليسوا أرقامًا.. لكل واحد منهم طريق وحلم".
في منطقة النصر غربي مدينة غزة، كان منزل الخضري ينبض بالحياة. عاشت فيه عائلة عُرفت بالأصل الطيب، وأدب الجيرة، وشهدت وقوع الحرب كما كل سكان قطاع غزة، وصمدت تحت النار أمام أوامر الإخلاء.. هكذا حتى جاء تاريخ الثامن عشر من أكتوبر للعام 2023م.
استُهدف منزل الجيران، وارتقى عم حنين وزوجته، وابن شقيقها شهداء، في حين أصيب أخوها وزوجته وابنتهما إصابات خطرة.
هنا كانت نقطة التحول، وبدأت رحلة نزوحٍ صعبة عنوانها المعاناة فقط. وبحكم أن العائلة كانت تضم مصابين جراء القصف، كان الاتجاه نحو الجنوب بهذا الوضع الجديد مستحيلًا، "ولهذا بقينا ننزح من منطقة لأخرى داخل غزة، حتى وصلنا إلى شارع يافا عند جدي لأمي" تقول الشابة لـ"نوى".
تستذكر ما حدث معها، فتعود إلى تاريخ الهدنة الإنسانية التي انتهت عند الساعة السادسة صباحًا، حين استيقظت ورأت أختها التي لم تنم ليلتها بسبب رعايتها لزوجة شقيقها المصابة.
قررت حنين أن تعد لابن شقيقها الأصغر الحليب، لكنها لم تكن تعرف أنها تعد له آخر زاده في هذه الدنيا. لم تكن تعرف أنها لن ترى من عائلتها بعد اليوم أحدًا، وأن المشهد الأخير معهم جميعًا سيكون بعد سقوط صاروخٍ حربي على المنزل أودى بحياة كل من فيه، وتركها معلقة على شجرة زيتون بجوار البيت.
استيقظت حنين على سرير المستشفى، وقد أصيبت بشظايا في ظهرها، ورأسها. بجسد مشوه -وفق تعبيرها- وبلا أهل حولها إلا ابن خالتها، الذي سألته مرارًا عن حالهم، فكان يجيبها بأنهم بخير ويبكي!
تقول: "كنتُ أشعر بأن شيئًا سيئًا حصل لهم، أسأله عنهم فيحاول طمأنتي لكن دموعه كانت تفضحه في كل مرة. مكثتُ في الغيبوبة 14 يومًا، ثم استيقظت لأجد نفسي في حياة جديدة، سأكون فيها بمفردي بعد اليوم".
35 يومًا بعد خروجها من المستشفى، قضتها عند خالتها، سألتها مرارًا خلالها عن حال أهلها الذين أخبروها أنهم جميعًا مصابين في مستشفى المعمداني، "وأن أحدًا لا يستطيع الوصول إليهم لخطورة المنطقة"، لكن الجواب في كل مرة كان نفسه. "لا زيادة ولا نقصان".
تضيف: "طوال هذه المدة وأنا أجهز لأمي وأبي وإخوتي وأولادهم كل شيء. أشتري ما هو متوفر في السوق ويحبونه وأحتفظ به لحين لقائي بهم".
عندما زالت الخطورة عن وضع حنين قررت خالتها مصارحتها. لم تكن العبارات آنذاك إلا خناجر في قلب فتاة عشرينية، انهارت وصرخت بأعلى صوت "يا الله، صرت لحالي يا الله".
لا تزال الشظايا تخترق ظهر حنين، وتحتاج إلى علاج مكثف لاستئصالها خارج غزة، ولما وصل اسمها للائحة العلاج في الخارج نهاية مارس، كان الشرط أن تنزح ناحية الجنوب حتى تتمكن من المغادرة عبر معبر رفح.
وصلت إلى الجنوب وحدها. مرت من حاجز نتساريم وحدها، ونظرت في عيون الجنود وحدها. في رفح، صارت تتأمل وجود أقاربها هناك. استوعبت أنها أضحت هناك وحيدة، وعرفت أنها دخلت في اضطراب ما بعد الصدمة، الذي درست عنه حين كانت طالبة في تخصص علم نفس بجامعة الأزهر بغزة.
انعزلت حنين في رفح عن المحيط تمامًا في انتظار تحويلة العلاج، كانت تعاني حالة نفسية صعبة، فلا تأكل إلا ما يبقيها على قيد الحياة، تنتظر فقط اسمها في قائمة المسافرين، حتى مر شهر، وتحطم الحلم على بوابة المعبر الذي أحرقه الجنود وهم يضحكون.
تحاول حنين اليوم، الخروج من أزمتها النفسية، وتحاول نثر عطفها على الأطفال الذين تقابلهم، ويشبهون في أعمارهم أبناء إخوتها وأخواتها. تعود إلى سنين ما قبل الحرب، فتتذكر عملها التطوعي في مؤسسات وفرق مسرح وتحريك دمى "الماريونيت". تبحث وتبحث، وتعود مرة أخرى فتمسك بدمية وتحركها وترسم البسمة على شفاه الأطفال.
تعقب: "بحب كتير كتير أولاد أخويا، وروحي متعلقة فيهم، فلما بكون بين أطفال بحس حالي بينهم، بتذكر ضحكاتهم ولعبهم، وصوتهم وهم بينادوني".
وسط كل هذا التعب والألم، تعبر حنين عن امتنانها لهذه الأعمال التطوعية التي تمارسها طوال اليوم، لأنها -وفق وصفها- تحجب عنها الأفكار السلبية وتريح عقلها من التفكير المفرط فيما يمكن أن تحمله لها الأيام.
