مجزرة "رفيدة".. دمُ الحكاية لم يجف!
تاريخ النشر : 2024-10-20 14:05

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
"والله هو.. هدول رجليه"، هكذا صرخت أم عادل حمودة في ثلاجة الموتى بمستشفى شهداء الأقصى وسط قطاع غزة، بعد أن تعرفت على جثمان زوجها بين عشرات الجثث التي وصلت لتوها من مدرسة رفيدة بدير البلح.

مجزرةٌ وحشية ارتكبتها طائرات الاحتلال الحربية داخل المدرسة، بعد أن ألقت صاروخًا حربيًا فوق رؤوس النازحين الفارين من الموت شمالي القطاع، إليها.

أشلاءٌ في الساحة وعلى الحيطان، ورؤوس أطفالٍ مقطوعة، وجثث متفحمة وأخرى ليس لها معالم، ومن تحت الركام فاحت رائحة الدماء، بينما انطبعت صرخات الأطفال في صور الصحافة، بتاريخ العاشر من أكتوبر/ تشرين أول الجاري، شاهدًا على انتهاك المحتل حقوق الإنسان وآدميته طالما أنه فلسطيني.

 تقول أم عادل لـ"نوى": "الساعة الحادية عشر صباحًا، كنت جالسة داخل الصف في الطابق العلوي، فجأة رأيت نيران الصاروخ وهز الانفجار أرجاء المدرسة".

ركضت أم عادل حافية القدمين بلا وعي إلى غرفة الإدارة المستهدفة، تصرخ: "وين زوجي.. زوجي كان هان"، التفتت يمينًا وشمالًا، فوجدت جثمانًا على الأرض غارقًا بدمه، وبصعوبةٍ كبيرة خمّنت أنه قد يكون هو.

تكمل: "لم يكن جثمان زوجي داخل الغرفة، من شدة الانفجار طار لساحة المدرسة، لم أتأكد من جثمانه حتى انتشله المسعفون وأخذوه بسيارة الإسعاف"، تردف: "بس إحساسي أكّدلي أنه زوجي".

من المدرسة حتى مستشفى شهداء الأقصى، ركضت أم عادل حوالي ثلاثة كيلومترات وهي تنادي زوجها، وتتابع: "أخذوا يفتحون لي الأكفان واحدًا تلو الآخر، لكنني لم أجده في أي واحدٍ منها".

خرجت أم عادل من ثلاجة الموتى وجلست على بابها بجوار جثةٍ لأحد الشهداء. تخبرنا: "إحساسي أخبرني أنها لزوجي، انتظرتهم كي يكشفوا عن وجهه لي، لكنهم تأخروا فقررت فتحها بنفسي".

صرخت أم عادل من فظاعة المنظر، تقول: "الجميع حولي يخبرونني بأنه ليس جثمانه حتى فتحوا جثمانه كاملًا، وبصعوبة تعرفوا عليه".

في نفس الدوامة الدامية، وصل اتصالٌ مفاجئ لجمال السلطان الذي كان في عمله بمدينة خانيونس جنوبي قطاع غزة، وأصاب قلبه.

يقول: "وصلت المدرسة فوجدت أمام عيني مجزرة بكل ما تعنيه الكلمة. لم أستوعب ما حدث، ركضت أبحث عن أطفالي فوجدتهم كلهم في حالةٍ يرثى لها من الخوف والهلع، لكنني بحثتُ عن زوجتي فلم أجدها".

بحث جمال في كل زوايا المدرسة عبثًا، فأخذ يتساءل بينه وبين نفسه: "مستحيل أن تكون بخير وما تسأل على الأولاد"، لا سيما وأن الله رزقهما طفلين توأمين بعد تسع سنوات من الانتظار.

يضيف: "حين وصلت مستشفى شهداء الأقصى، ذهبت لثلاجات الموتى، عرفت جثتها من بين عشرات الجثث، شعرتُ أنها زوجتي لكن المنظر كان فظيعًا"، يردف باكيًا: "قلبي دلني عليها".

لا يزال جمال يعيش في حالة صدمة كبيرة، خاصة حين يسأله أطفاله عن أمهم فيجيبهم بحرقة: "مسافرة يومين وترجع يا بابا"، فيجيبه طفله أحمد: "أمانة احلف أنها حترجع"، حتى خر باكيًا بصمت مؤلم.

ولم يسمع أحد صرخات المصابة ملكة أبو ستة من تحت الركام! تروي ما أصابها لـ"شبكة نوى": "لحظة القصف كنت نائمة، وفجأة كل الحيطان سقطت فوقي. كنت أسمع أولادي يصرخون أمي ماتت، فأرد عليهم لأطمئنهم أنني بخير، لكن لم يسمعوني".

"رددتُ الشهادتين ألف مرة تحت الركام في لحظات تنحبس لها الأنفاس" تقول، وتكمل: "سمعت صوت الحيطان وهي تتساقط علي ولم أكن قادرة على فعل شيء. كنت واعية لكل شيء حدث".

تردف: "وهذا أسوء شيء أنني رأيت وشعرت بإصابتي".

أصيبت ملكة في كسرٍ بالحوض، وشظايا في كافة أنحاء جسدها. تضيف: "لا أرى بعيني، وعلاجي غير متوفر في المستشفى. أنا فقط أتلقى المسكنات، التي نجدها بشق الأنفس".

ووفق وزارة الصحة الفلسطينية بغزة، فقد استشهد 28 مواطنًا، وأصيب 54 آخرون في مجزرة ارتكبها الاحتلال بمدرسة رفيدة، المكتظة بالنازحين في مدينة دير البلح وسط قطاع غزة.