عائدٌ من الموت.. في "سيديه تيمان"!
تاريخ النشر : 2024-10-17 09:04

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

لم يدُرْ بخلد الطبيب خالد عبد الكريم السر أنه قد يخرج يومًا من سجون الاحتلال التي غرق في غياهبها برفقة المئات من أسرى غزة دون تهمة أو أفق، لا يعرفون ما قد يحدث لهم في اللحظة التالية أو ما قد يحدث لأهاليهم تحت القصف في قطاع غزة.

في شهر مارس/آذار من العام الحالي، كان الطبيب السر مع قرابة 25 شخصًا من الكوادر الطبية في مجمع ناصر الطبي بمدينة خان يونس جنوبي قطاع غزة، يعملون على قدمٍ وساق لكي يعيدوا للمكان عافيته بعد الاجتياح الإسرائيلي الأول، الذي أدى لتدميره وإخراجه عن الخدمة.

لم يكن في المشفى وقتها سوى عدد قليل من المرضى، وقرابة تسعين من النازحين الذين فقدوا منازلهم خلال اجتياح الاحتلال لمدينة خانيونس، خلال الحرب الإسرائيلية المتواصلة على قطاع غزة للعام الثاني على التوالي.

وقتٌ قصيرٌ مرَّ على ترتيب الأوضاع، قبل أن يفاجأ السر ومن معه باجتياحٍ جديد، حيث طوّقت آليات الاحتلال المشفى من جميع الجهات، وظلّت الكوادر الطبية لمدة ثلاثة أيام بلا طعام ولا شراب ولا اتصال مع العالم الخارجي، هكذا حتى اقتُحم المكان، واعتُقل من فيه، ونقلوا إلى بيتٍ في محيطه خضعوا فيه لتحقيقٍ قاسٍ لمدة خمسة أيامٍ متتالية.

يقول السر: "بعد ذلك بدأ الاحتلال بنقلنا تباعًا إلى سجونه داخل الأراضي المحتلة عام 1948م، عبر "جيبات عسكرية". كنا مقيدي الأيدي والأرجل بمرابط بلاستيكية نعاني آثارها حتى اللحظة، ومعصوبي الأعين لا نعرف إلى أين تأخذنا الطريق، هكذا حتى فكوا العصبة، فوجدت نفسي في معتقل "سيديه تيمان" الأسوأ سمعة بين سجون دولة المحتل".

ذكريات مُرة

لا يحب "السر" استرجاع الذكريات في ذلك المعتقل الذي أهينت فيه كرامته الإنسانية هو وغيره من أسرى غزة، وتعرضوا خلاله لأبشع أنواع التعذيب النفسي والجسدي، في تغييبٍ تام لما يحدث معهم عن أعين الإعلام.

كان الوقت يمرّ هناك بطيئًا ومقيتًا ومؤلمًا ومخيفًا، "فلا تدري بين لحظةٍ وأخرى ما يمكن أن يخبئه لك السجان الذي يمكن أن يصب نار حقده عليك لأنك من غزة فجأة" يخبرنا، مضيفًا: "كانوا يمنعوننا من النوم، يدخلون الزنازين مع ساعات الفجر، ويأمروننا برفع "الفراش" ووضعه جانبًا، وعدم استعماله طوال اليوم".

كان جميع الأسرى يعانون من آلام في الظهر والأقدام والأيدي؛ لإجبارهم على الجلوس على أرضية الزنزانة الصلبة طوال اليوم، حتى في أوقات تناول الطعام. "كانوا يقيدوننا ويعصبون أعيننا ويطلبون منا الجلوس ثمانية عشر ساعة على الأرض" يزيد.

ويمضي بالقول: "كان السجانون يتذرعون بأي حجة لكي يُدخلوا فرقة القمع للزنزانة، ويعرضون الأسرى للتعذيب الشديد بمنعه من الجلوس أو التحرك، أو حتى الحديث مع الآخرين، وإلا فإنه سيتعرض للضرب والإهانة".

أما السيناريو الأسوأ الذي قد يحدث للأسير -وفق السر- هو أن يتم إخراجه خارج الزنزانة والاعتداء عليه بالضرب المبرح بالهراوات، أو إدخال كلاب بوليسية تسيل لعابها على الأسرى وتتبول عليهم، أو الاغتصاب بأدوات معدنية أو كهربائية، "فلم يكونوا يتعاملون معنا كبشر أبدًا، بل ككائنات من الدرجة العاشرة".

ويصف السر "سديه تيمان" المخصص لأسرى غزة، فيقول: "هو عبارة عن غرف من "الأسبست" تملأها الجرذان والحشرات وبرك المياه الراكدة. لم تحدث فيه انفراجة (بسيطة) إلا بعد أن أثيرت ضجة إعلامية كبيرة حوله، وحول ما يتعرض له الأسرى هناك من انتهاك لأبسط حقوقهم الإنسانية (..) حينها فقط بدأ الاحتلال بنقل الأسرى منه لسجون أخرى".

في "عوفر"

وكان نصيب "السر" الانتقال إلى ما يسمى بـ"معسكر عوفر"، وهو "مركز تدريبي لجيش الاحتلال"، حيث هناك كانت ظروف الاعتقال أقل وطأة "وإنْ استمرت العزلة عن العالم الخارجي"، حيث اتخذ الاحتلال تدابير مشددة بمجرد نقل أسرى غزة لهذا المعتقل، فوضعوا في كل زنزانة كاميرتا مراقبة، وكانوا يراقبون تحركات الأسرى، "فإنْ تحرك الأسير أو تكلم وقت العد، فإنه يتعرض للضرب المبرح الشديد".

في "عوفر" كان الأسرى يحاولون شغل وقتهم بالحديث الجماعي، والنشيد، في ظل غياب وسائل الترفيه والتواصل مع العالم الخارجي، "لكن بكل الأحوال كنا في سجن. السجن بحد ذاته ليس سهلًا أبدًا، لا سيما لأسيرٍ من غزة، مصنف بالنسبة للاحتلال أيًا كان تخصصك أو عملك كمقاتل غير شرعي، تقبع في ظلمة زنزانة لا تعرف أين هي، ولا متى ستخرج منها، وما هي تهمتك؟ وهل ستُحاكم أم لا؟" يستدرك.

يحكي السر عن يوم الأسير العادي هناك، فيقول: "يومك كله يحدده السجان. متى تأخذ "دشًا"؟ متى تتناول طعامك؟ وإن فكرت في تناوله بأي وقت آخر يصادره منك! هو يقرر لك ما هو المسموح من المقتنيات، وما هو الممنوع. في آخر فترة لي هناك، صادروا الأكواب البلاستيكية باعتبارها ممنوعات!".

وبخصوص "الإهمال الطبي" فحدث ولا حرج. يحكي السر: "يتعرض له الأسرى جميعًا، فالسجان لا يتعامل مع أي مستجد طبي على صحة الأسير، ويطلب منه عدم طلب العلاج إلا في حالة المشارفة على الموت!".

عانى السر شهرًا كاملًا من آلامٍ في المعدة، ولم يستجيبوا لطلبه بتلقي العلاج، إلا بعدما أصيب بنزيفٍ حاد، نُقل على إثره إلى المستشفى، قائلًا: "أصبنا جميعًا في شهر يوليو الفائت بمرض "الجرب"، وتركونا نعاني من الحكة والألم دون أنْ يفكروا في مد يد العلاج لنا".