ثلاث أخوات.. ثلاث مآسٍ في خيمة!
تاريخ النشر : 2024-10-10 13:52

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

تحاول ألفت اللحام كبح دموعها كلما عادت بالذاكرة إلى يوم فقدان ابنها وابنتها وزوجها، وتقول: "كما لو أنه البارحة. أفرح عندما أرى ابنتي في المنام، ولا أتصور أبدًا أن رؤيتها صارت حلمًا فقط لا حقيقة".

تحاول ألفت (36 عامًا) جمع شتات روحها بين أختيها اللتين تكابدان الحال ذاته من فقدان الزوج والمعيل الأول للعائلة. وتبدأ بسرد الحكاية "منذ أن ذهب زوجها لتفقد بيته في السطر الغربي بمدينة خانيونس جنوبي قطاع غزة، لدى انسحاب آليات الاحتلال، ولم يعد حتى هذه اللحظة".

تشير إلى أختيها بحرقة، وتقول: "نعيش هنا في مخيمٍ خاصٍ بالأيتام في مواصي خانيونس، نواسي بعضنا، كلنا فقدنا أزواجنا، وعددًا من أولادنا. نعيش بالأمل مع من تبقى، وتجمعنا تفاصيل النزوح المرة، ومأساة الفقد أيضًا".

تعود بذاكرتها للحظة الأخيرة التي ودّعت فيها زوجها وأولادها براء ويوسف وجنى، الذين ذهبوا برفقته لرؤية المنزل المدمع، وتخبرنا: "ذهب سلفي معه، وهو أيضًا زوج أختي إيمان (34 عامًا). ورافقه أولاده أيضًا. كانت إيمان وقتها حاملًا تنتظر ولادة طفلها، متمسكةً بالأمل بفرج قريب".

قبل أربعة أيامٍ من ميلادها وصلها الخبر.. استشهد زوج إيمان -تحكي ألفت- وولديها أيضًا (ريناد ومحمد)، بينما بقيت ابنتها الكبرى معها فقط على قيد الحياة.

في نفس التوقيت تلقت ألفت خبر استشهاد زوجها وولديها (يوسف وجنى)، بينما نُقل ابنها براء إلى العناية المركزة ليتلقى العلاج، فقد كانت جراحه خطرة واضطر الأطباء للقيام بعدة عمليات له، بالإضافة إلى حروق وندب عميقة متفرقة في أنحاء جسمه.

وتضيف: "عثروا على ابنتي جنى بعد شهر، لقد طارت جثتها نتيجة الاستهداف في باحة منزل بالقرب من المكان".

كانت نسمة قبل النزوح تسكن في بيتٍ صغيرٍ من الأسبست داخل الحي النمساوي بمدينة خانيونس، قبل أن يُقصف بيتٌ مجاور، وتنجو برفقة زوجها وأطفالها من تحت الأنقاض.

تذرف الأخت الثالثة نسمة (30 عامًا) دموعًا حارقة، قبل أن تحكي الحكاية. كانت قبل النزوح تسكن في بيتٍ صغيرٍ من الأسبست داخل الحي النمساوي بمدينة خانيونس، قبل أن يُقصف بيتٌ مجاور، وتنجو برفقة زوجها وأطفالها من تحت الأنقاض.

نزحت نسمة مع عائلتها عدة مرات فى مناطق متفرقة من "خانيونس"، ثم انتقلت إلى بيت أهلها في رفح قرب منطقة الشاكوش، وكان زوجها يزورها هناك بين الحين والأخر.

تقول: "حدث ذلك مطلع فبراير، بينما كان الناس من حولي يهللون من أجل هدنة مرتقبة بعد الحديث عن مفاوضات قد تتوصل أخيرًا إلى اتفاق ينهي الحرب، قرر زوجي الذهاب إلى البيت لتفقده مع ابن أخيه. كان يوم خميس، جاء قبلها ليزورني ولعِبَ مع أطفاله لوقتٍ قصير، ثم لبس ملابس جديدة كان قد اشتراها قبل الحرب، ورش عطرًا وكأنه كان يعرف مصيره".

في صبيحة الجمعة، وصلها الخبر. استشهد زوجها وحبيبها وسند أيامها المرة، بعد أن استهدفته مسيرة بصاروخ استطلاع بالقرب من منطقة سكناه. تركها مع خمسة أطفال تكابد وحدها وحشة فقدانه، وتعيش خوفًا من مصير أبنائها تحت النار!

"زوجي كان يعني لي كل شيء في هذه الحياة. كان حنونًا على أولاده رغم ضيق الحال. وجدوا جثته من دون رأس، ثم عثروا على رأسه بعد أيام ودفنوه معه".

تضيف: "زوجي كان يعني لي كل شيء في هذه الحياة. كان حنونًا على أولاده رغم ضيق الحال. وجدوا جثته من دون رأس، ثم عثروا على رأسه بعد أيام ودفنوه معه!". تكتفي بهذا القدر من الحديث، وتلف وجهها لتستسلم للبكاء.

ما تفتأ ألفت تذكر هذه اللحظات، تلك اللحظات التي توقفت عندها حياتهن جميعًا. تحدثنا: "كلنا لم نصدق الخبر. كلنا كنا على أمل أن يكون ما عرفناه كذبًا أو دعابة. كلنا كنا نتشبث بأمل أن يكون هناك تشابه أسماء، أو خطأ في البيانات الواردة. وكلنا صُعقنا عندما أيقنا أن علينا أن نستسلم للحقيقة المرة".

تعيش الأخوات الثلاث الصدمة حتى اليوم، ويعانين -وفق ألفت- من أعراضها كفرط النسيان، والخوف الزائد، والتوتر الشديد والعصبية، ويحاولن قدر المستطاع التعالي على كل أوجاعهن، من أجل تخطي ضغوطات الحياة، والوفاء بالمسؤولية الملقاة على عواتقهن في توفير الحماية والرعاية وضروريات الحياة اليومية لمن تبقى.