شهيدٌ في المنام يخبر أمه: "تعيطيش.. طلعيني من الممر"
تاريخ النشر : 2024-09-12 12:42

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

"جمعته عظمة عظمة، من إصبع قدمه حتى الجمجمة"، قالتها يافا، والدة الشهيد أحمد نصير لـ"نوى"، وبكت بحرقة. ما حدث معها لا يمكن أن يتخيله عقل: "جاء لابنة صديقتي في المنام، وأخبرها عن مكان جثمانه" أضافت.

استشهد أحمد في الحادي عشر من أكتوبر/ تشرين أول للعام 2023م،  برفقة عدد من أفراد عائلته، بعد قصفٍ إسرائيليٍ طال منزل والد زوجها. كانت الأم في الأيام الأولى للبحث عن جثامين الشهداء تحت الركام، تمني نفسها أن تجد كل واحدٍ منهم جثةً واحدةً مكتملة، وألا يضرب قلبها رؤيتهم أشلاء، فوجدتهم جميعًا إلا أحمد.

تخبرنا: "بحثت عنه طويلًا، ولم أُفوّت يومًا واحدًا دون حفر في جانبٍ من جوانب البيت. مرّت الأيام تباعًا، ومرّ على استشهاده 147 يومًا، لكنني لم أفقد الأمل. فقط أنهكتني المحاولة، ومزّقتني حرقة الفقد".

رجال الدفاع المدني فقدوا الأمل في العثور على أثرٍ لأحمد، لكن أمه كانت على يقينٍ بأنها ستكرمه بالدفن، وستعرف له مكانًا تقرأ له فيه الفاتحة. خمسة أشهر مرت، قبل أن تحدث المفاجأة.

تقول: "جاءتني ابنة صديقتي. كانت متوترة، وأخبرتني بشيءٍ غريب، قالت لي إن أحمد زارها في المنام، وأخبرها بمكان جثته". وتتابع: "رغم أن هذا لا يُصدق، إلا أنني كنتُ أتمسّك بأي قشة. على الفور، غيّرت مكان الحفر، وإذا بي أرى أول عظامه. هلّلت وكبّرتُ. لا أعرف كيف أصف لكم المشاعر التي انتابتني آنذاك".

طيف أحمد أخبر ابنة الصديقة يومذاك بأن الجثمان في زاوية الممر. "وهناك أخرجته عظمة عظمة حتى اكتمل جثمانه كله" تحكي الأم المكلومة.

كانت عائلة أحمد نصير تعيش في أبراج الندى، شمالي قطاع غزة، قبل أن تنزح إلى منزل الجد في مشروع بيت لاهيا في الشمال أيضًا، بعد أن تدهورت الأوضاع.

وتواصل الأم سرد الحكاية، فتقول: "كل أولادي غادروا البيت معي إلا أحمد، الوحيد الذي رفض وأصرّ على البقاء مع والده داخل البيت".

وتكمل: "بعد أذان العشاء سمعت صوت قصف قوي، وشعرت حينها أن الاستهداف لبيتي. ذهبتُ مسرعةً لرؤيتهم، فإذا بالناس متجمهرة عند المنزل. طوال الطريق كنتُ لا شعوريًا أُردد: اللهم أجرني في مصيبتي، واخلفني خيرًا منها"، وصار صوتي يعلو بها لما رأيتُ رجال الدفاع المدني، والطواقم الطبية يشرعون بإخراج الشهداء من المكان".

وتردف: "انتظرت حتى الثالثة فجرًا. أخرجوا من البيت ثلاثة جثامين. زوجي ووالده وقالوا لي إن الثالث لابني. وطلبوا مني الذهاب للمستشفى الأندونيسي كي أتعرف عليهم. كنتُ طوال الوقت أدعو الله أن أجد أحدهم حيًا، فلما وصلت، رأيتُ زوجي ووالده، أما ابني أحمد فرفضوا أن أراه لأن الجثمان كان عبارة عن أشلاء. لكنني أصرّيت، فلما فتحوا الكفن، وجدته ابن خاله".

هنا، عادت الأم إلى المنزل المقصوف، وأبلغت رجال الدفاع المدني بأن أحمد في الداخل، لكنهم خافوا من العودة خشية إعادة استهداف المنزل.

منذ ذلك الوقت، لم تبرح يافا المكان. كانت تزوره يومًا بيوم. تحفر هنا وهناك علها تجد له أثرًا، لكن عبثًا كانت كل محاولاتها. حتى جاء ذلك اليوم الغريب. "زار أحمد ابنة صديقتي في المنام وهو يضحك، فإذا به تخبره: أنت تضحك، وأمك تبكي عليك؟ ليرد عليها: احكي لأمي تعيطيش، واحكيلها تطلعني من ممر البيت" تقول.

وتزيد: "رسمت البيت على ورقة، وعرفت أين الممر، ثم حفرتُ برفقة صديقه تحت ثلاثة طوابق لمدة خمسة أيام. كان وقت أذان الظهر، فإذا بطفلٍ صغير يمر بقربنا يقول: هذه عظمة، فأخذها صديق أحمد، وذهب بها للمشفى، فأخبروه بأنها لإنسان، وأعطوه كفنًا ليضع به باقي جثمانه".

"عظام وقليل من اللحم"، هذا ما أخرجوه من تحت الركام. تحسست والدته الكفن فرأت على كف يدها دم، وكأنه نزف للتو -تخبرنا.

قبل دفنه في المقبرة، طلبت والدته من أصدقائه دفن أحمد إلى جانب والده، لأنه كان يحبه كثيرًا، ويرافقه أينما ذهب... حتى عندما زاره الموت بصاروخٍ غاشم.