غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
"نصف كرتونة بيض للبدل على باكيت حليب"، لن تستغرب هذه العبارة لو كنتَ من سكان قطاع غزة، وستفهم جيدًا لماذا قيلت -لو لم تكُن هناك- وكنتَ متابعًا للواقع "المُر" الذي فرضته "الإبادة".
عادَ المواطنون في قطاع غزة إلى عصر "المقايضة"، وهم الذين يعيشون في القرن الواحد والعشرين!
بعضهم تبادلوا السلع وديًا وبشكلٍ مباشر في الشارع والحي الواحد، وبعضهم استبدلوها في مناطق أخرى شمالي القطاع، عبر سوقٍ افتراضيٍ حمل اسم (سوق المقايضة الأول في قطاع غزة)، الذي أنشأه الشاب أحمد المقيّد، ونشره عبر منصات التواصل الاجتماعي.
يقول الشاب لـ"نوى": "أصل الفكرة تقريب الاحتياجات وتوفيرها للعائلات المحتاجة، واستبدالها بأخرى متوفرة لديهم، ويحتاجها غيرهم".
وتعيش مدينة غزة، وشمالي القطاع، منذ اندلاع حرب الإبادة في السابع من أكتوبر/ تشرين أول الماضي، واقعًا صعبًا بسبب الاجتياحات الإسرائيلية، والقصف المتواصل، والحصار، ومنع مرور أيٍ من المساعدات الغذائية أو الاحتياجات الإنسانية والطبية والحياتية إلا بالحد الأدنى وخلال فترات متباعدة.
يتابع المقيد: "انعدمت القدرة الشرائية لدى المواطنين، وارتفعت أسعار المنتجات بشكلٍ مرعب بسبب طمع واستغلال التجار، وهذه الفكرة كانت مناسبة في ظل كل ذلك، ولاقت رواجًا واسعًا"، ملفتًا إلى أن المقايضة تتم بين المنضمين للمجموعة في منصة التواصل، بدون أي وسطاء، "وهذا ساعد بشكل كبير في اختيار الشخص ما يناسبه دون ضغط أو ابتزاز من أطراف مستكسبة".
"المقايضة تتم بين المنضمين للمجموعة في منصة التواصل، بدون أي وسطاء".
ويرى صاحب المجموعة أن الفكرة تغلبت على جزء من المشكلة، خاصة أن الكثير من السلع تتداخل في قيمتها ومستوى العرض والطلب عليها، "بالرغم من أن لا شيء يستطيع ملء الفراغ الذي تركته السيولة" يعقب.
وحول تفاعل المواطنين مع الفكرة، يقول: "انقسمت آراء الناس بين مشجع ومرحب للفكرة وبين من يرى صعوبة في تنفيذها"، موضحًا أنها (المجموعة) جديدة المنشأ، والفكرة غريبة، "كما أن هناك ندرة في العرض والطلب على السلع، لعدم توفر الكثير منها لدى الناس أصلًا".
ويأمل المقيد أن تنتهي الإبادة، وأن يعود المواطنون إلى حياتهم الطبيعية التي اعتادوا عليها قبل الحرب الإسرائيلية المدمرة على قطاع غزة.
في مكانٍ آخر جنوبي القطاع، دفعت الحاجة الشاب محمد الهندي النازح من الشمال إلى منطقة مواصي خان يونس جنوبي قطاع غزة، إلى استبدال ثلاثة لترات من البنزين، بنصف جرة من غاز الطهي.
يخبرنا: "مع اشتداد الحاجة لغاز الطهي، استبدلت البنزين الخاص بدراجتي النارية بنصف جرة من الغاز عند أحدهم".
وأضاف: "منذ ذلك الحين ألجأ لأسلوب المقايضة بالكثير من السلع والمعلّبات، التي أستبدلها بسلع أخرى مع أبناء الجيران حسب احتياجي واحتياجهم، بمجرد استلام السلال الغذائية".
ويُعرّف خبراء الاقتصاد "المقايضة" بأنها نظام الصرف، الذي يتم عبره تبادل البضائع أو الخدمات مباشرة بسلع أو خدمات أخرى دون استخدام وسيلة تبادل مثل المال.
"هذا الأسلوب معمول به منذ فترة ليست قصيرة، بسبب نقص السيولة أو عدم قبول التجار بالعملات المهترئة والتالفة، المنتشرة في شمالي قطاع غزة".
وهي طريقة عادةً ما تكون ثُنائية، وقد تكون متعددة الأطراف -أي بوساطة- من خلال المنظمات أو الأشخاص المقايضين، وموجودة بالتوازي مع النظم النقدية في معظم البلدان المتقدمة على نطاق محدود جدًا.
ويقول الصحافي الاقتصادي أحمد أبو قمر لـ"نوى": "بعض المواطنين يظنون أن الحديث عن عودة سوق المقايضة أمر مبالغ فيه، ولكن في الحقيقة هذا الأسلوب معمول به منذ فترة ليست قصيرة بسبب نقص السيولة أو عدم قبول التجار بالعملات المهترئة والتالفة، المنتشرة في شمالي قطاع غزة".

وانتهى العمل بنظام المقايضة عالميًا -والحديث لأبو قمر- بعد بدء التعامل بالعملات، "لكن وضع القطاع سمح بعودته كنظام لتوفير الاحتياجات والبدائل" يستدرك.
ويبرر ذلك، بما أسماه "تقصير سلطة النقد الكبير في إدخال السيولة لأسواق القطاع، وتركه للسوق السوداء، وإغلاق أفرع البنوك شمالًا منذ الشهر الأول للحرب، والاكتفاء بفروع محدودة في الجنوب"، وهو الأمر الذي فاقم الواقع الاقتصادي والشرائي لدى المواطنين، وتسبب بعودة المقايضة إلى سطح التعاملات الاقتصادية في القرن الواحد والعشرين.
