"كابوسٌ" تعيشه نازحة.. قبران وخيمة ومرض!
تاريخ النشر : 2024-08-19 11:23

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

تسند الثلاثينة سماح النزلي ظهرها إلى جدارٍ خلف مستشفى شهداء الأقصى بمدينة دير البلح، وسط قطاع غزة، هربًا من "جحيم" الخيمة التي تقيم بها مع أسرتها في باحة المشفى منذ ما يزيد على عشرة أشهر.

ولسماح (34 عامًا) حكايةٌ مؤلمة ودامية، بدأت فصولها منذ الشهر الأول للحرب التي اندلعت في السابع من أكتوبر/ تشرين أول الماضي، عندما أجبرت مع زوجها مريض السرطان، وابنتيها رزان (5 أعوام) وبيسان (3 أعوام) على النزوح من شقتهم السكنية خلف منطقة أبراج المخابرات شمالي مدينة غزة.

"كانت رحلة النزوح مريرة وشاقة" تقول سماح لـ "نوى"، وقد اضطرت مع زوجها الستيني المريض منير عفانة (64 عامًا) وطفلتيها على قطع مسافةٍ طويلة سيرًا على الأقدام، بعدما أُجبِر الزوج على ترك سيارته بموجب تعليمات قوات الاحتلال التي كانت قد فصلت القطاع إلى شطرين من "محور نتساريم"، وفرضت على النازحين رجالًا ونساءً وأطفالًا المرور عبره في مجازفةٍ تحمل معها إهانات وتفتيش، واعتقال للبعض.

لم يمض وقت طويل على وصول سماح وأسرتها إلى مستشفى شهداء الأقصى كنازحين في خيمة، حتى توالت عليهم أخبار الأحداث المفزعة من مدينة غزة والشمال: "دمار البيت والسيارة".

تضيف: "الشقة كانت سترنا في الدنيا ولا نملك سواها، والسيارة كانت مصدر عيشنا يوم بيوم، وفي اليوم الذي كان المرض يُقعد زوجي عن العمل، كنا لا نأكل".

تعالت سماح على أحزانها وهي تشاهد الدمار الهائل من حولها، وتقول: "الحرب دمرتنا كلنا"، لكنها تعيش حزنًا مركبًا لا يفارقها، ويقضُّ مضجعها ويحرمها النوم ليلًا ولا يكاد يفارق تفكيرها نهارًا، منذ أن علمت بالمجزرة التي كان من بين ضحاياها أبناءها من زواجها الأول.

كان هذا الفصل الأقسى في حكاية سماح، فقد خطفت غارات جوية شنتها مقاتلات حربية إسرائيلية على بلدة بيت لاهيا شمالي القطاع، روحي طفليها عبد الباري أبو فول (14 عامًا) ولما أبو فول (16 عامًا)، فيما نجت ابنتها سما (17 عامًا) مع جروحٍ غائرة وحروقٍ شديدة.

من بين منازل كثيرة، دمرت الغارات الجوية الإسرائيلية التي استهدف على نحوٍ عنيف ومباغت محيط مستشفى كمال عدوان ببلدة بيت لاهيا، منازل جيران لجأت إليهم عائلة أبو فول (51 فردًا) ظنًا منها أنها أكثر أمنًا من منزلها، وكأنها كانت تساق إلى قدرها، ولم ينجُ منهم إلا القليل.

"ظلوا 4 أيام تحت الردم، وانتشلوا عبد الباري مقطوع الرأس، ولا أعلم أين دفنوهم".

قبل اندلاع الحرب بثلاثة شهور، كانت المرة الأخيرة التي تلتقي فيها سماح بابنها عبد الباري وابنتيها لما وسما، وبعيونٍ غارقةٍ بالدموع، وبقلبٍ يكاد أن ينفطر حزنًا تخبرنا الأم المكلومة: "ظلوا 4 أيام تحت الردم، وانتشلوا عبد الباري مقطوع الرأس، ولا أعلم أين دفنوهم. القلق يقتلني من أن تكون جرافات الاحتلال خرّبت قبريهما عندما اجتاحت مستشفى كمال عدوان وبلدة بيت لاهيا، وجرّفت مساحات كبيرة بما فيها منازل ومقابر وشوارع".

تتلقى سما العلاج في نقطة طبية تابعة لجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني في مدينة خان يونس جنوبي القطاع، بعدما نجحت جهود منظمات أهلية ودولية في إجلائها للعلاج من شمال القطاع، وقد مكثت في مجمع ناصر الطبي لفترة قبل اجتياحه إبان العملية العسكرية الإسرائيلية البرية في المدينة، مطلع كانون أول/ ديسمبر من العام الماضي، واستمرت لأربعة شهور، اقتحمت خلالها قوات الاحتلال المجمع، وأجبرت المرضى والجرحى على مغادرته.

تزور سماح ابنتها سما من حين إلى آخر، وفي كل مرة تراها تصف حالها بالقول: "قلبي ينخلع من بين ضلوعي. أحلم بالعودة إلى شمال غزة ولو لمرة واحدة، كي أطمئن على قبرَي عبد الباري ولما، لعل نار قلبي تهدأ قليلًا".

وما بين أحزانها في شمال غزة وواقعها المرير في جنوبها، تستمر مأساة هذه المرأة التي وجدت نفسها المعيل لأسرة، الرجل فيها ستيني مريض بالسرطان وبالكاد يقوى على خدمة نفسه، وقد انقطع عن العلاج والأدوية طوال شهور الحرب، حيث خرجت غالبية المستشفيات عن الخدمة بالاستهداف الإسرائيلي المباشر أو جراء نفاد الوقود والأدوية والمستلزمات الطبية.

ونتيجةً لعدم توفر العلاج والغذاء الصحي المناسب لحالته خسر زوج سماح أكثر من 20 كيلو غرامًا من وزنه، وتضطر هذه الأسرة إلى الأكل مما يتوفر في "تكية المستشفى".

برأي سماح فإن الطعام في التكيات غالبًا يعتمد على المعلبات ولا يتناسب مع مريض بالسرطان، وبعد لحظة صمت قصيرة أكملت: "ولا حتى مناسب لنا، فهذه المعلبات كلها مواد حافظة ولا تصلح طعامًا دائمًا لفترات طويلة".

واضطرت هذه الزوجة النازحة إلى العمل في "مهن" فرضتها عليها ظروف الحرب والنزوح القاسية، من أجل كسب "القليل من المال"، كي توفر به احتياجات أساسية لأسرتها، فعملت في "تنظيف حمامات وملابس الصحفيين والنازحين في مستشفى شهداء الأقصى".

تخبرنا: "بعرف الشغل مش عيب، بس والله بتعز علي نفسي.. الحرب دمرتني، كنا مستورين وراضيين بعيشتنا".

ولحياتها في الخيمة "روتين" لا تتمنى سماح أن يطول، وهي دائمة السؤال للصحافيات والصحافيين من حولها: "في أخبار عن هدنة؟"، وقد اعتادت خلال الشهور الماضية على الاستيقاظ مبكرًا. تنظف الخيمة، وتقدم لزوجها وطفليها ما يتوفر للإفطار، ثم تنطلق سعيًا وراء الرزق، "وكل ما أحصل عليه لا يزيد على 100 شيكل أسبوعيًا، لا تكفي إلا للقليل". تصمتُ قليلًا ثم تتساءل بنبرة قهر: "متى ينتهي هذا الكابوس؟".