غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
"مع السلامة يا ماما.. تركتك عند ناس غاليين"، بهذه العبارة، ودّعت أماني القريناوي صغيرها أسامة قبل ساعات من استشهادها. لم تكن تعلم أنه الوداع الأخير، وأن هذه هي المرة الأخيرة التي ستقبّل فيها جبينه. فقط ودّعته ومضت إلى آخر عمرها شهيدة.
لم تبدأ حكاية اليتم في حياة أسامة ابن الثمانية أشهر حين ارتكب الاحتلال الإسرائيلي مجزرةً بحق النازحين في مدرسة خديجة بدير البلح وسط قطاع غزة فاستشهدت أمه، بل حينما قصف الاحتلال بيت والده فوق رؤوس الساكنين فيه، فاستشهد هو، وعمه في آنٍ معًا!
تقول خالة الطفل لـ"نوى": "كانت أماني تعمل داخل المدرسة في رعاية أيتام الحرب، تخرج كل يوم من الساعة الثامنة صباحًا حتى الثانية ظهرًا، وتقضي تلك الساعات في مساندة الأطفال الأيتام الذين فقدوا ذويهم في الحرب".
15 عامًا، وأماني وزوجها ينتظران أن يرزقهما الله طفلًا، حتى شاء الله وأنجبت أسامة في خضم حربٍ إسرائيلية لم تبقِ ولم تذَر، فلم تهنأ به كما وجب، ولم تعطه شيئًا مما رسمته له في مخيلتها، أو لعل الوقت لم يسعفها لتفعل ذلك.
كانت ولادة أسامة بصيص أمل لدى أماني بعد فقدان شقيقها وسلفها. لكنها حُرمت الفرحة! لم توزّع الحلوى على كل أهل الحي كما تمنّت، ولم تسمع زغاريد المهنّئين حولها بقدومه. ذلك الوليد الذي بدأ عمره نازحًا، بدون والده.. والده الذي لم يره قبل أن يستشهد إلا عشرة أيامٍ فقط.
خلال الأيام العشرة تلك -تحكي الخالة- اشترى له والده جميع مقاسات الحفاضات، قال: "حتى تكفيه لشهور عدة"، واشترى له علب الحليب، والملابس، والألعاب، حتى تلك التي لا يدركها. لم يترك شيئًا لم يحضره له، حتى زجاجات المياه.
تدير وجهها نحو الطفل وتكمل باكية: "كأنهم الاتنين حاسيين انهم حيستشهدوا، اشتروا له كل حاجة".
سبعة أشهر بين استشهاد أماني وزوجها، قضتها برفقة طفلها الذي كانت تشعر أنها ستتركه وحيدًا، نعم، في كل حوار يدور بينها وبين ابنها تخبره وتبتسم: "احنا يا ماما يمكن ما نكمل مع بعض".
تضيف خالة الطفل: "طيفها كان خفيفًا، وفي آخر أيامها كان وجهها يشع نورًا. تتعامل مع الكل بطريقة حنونة وغريبة، حتى مع طفلها كان أسلوبها جميلٌ جدًا، فتحاوره كأنه شاب كبير، وتحكي له تفاصيل يومها بالكامل".
أغرب موقفٍ حدث بين أماني وأختها، كان قبل أن تستشهد بوقتٍ قصير. قالت: "كانت مشغولة، فلم تذهب لاستلام كفالة ابنها، وطلبت مني ذلك. حملت أسامة على كتفي، وبقيت أنتظر برفقته تحت الشمس في الطابور لساعات، وحين عدت وجدتها جالسة في غرفة الصف، فأخبرتها ممازحةً: المرة الجاية بتروحي تستلمي لحالك، فردّت عليَّ بقولها: معلش عشان تتعودي تستلميها عني دائماً".
"لم نتوقع أن تترك لنا هذا الإرث العظيم" قالت الخالة وبكت، وهي تتحسس رأس أسامة الصغير، متابعةً: "إن ربنا كتبلي النجاة، راح أحطك بعيوني يا خالتو".
ويواصل الجيش الإسرائيلي حربة على قطاع غزة للشهر الحادي عشر على التوالي، مخلفًا نحو 40 شهيدًا، معظمهم من النساء والأطفال، و10 آلاف مفقود، وعشرات الآلاف من الجرحى.
