غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
على يديها، وبلا ساقين، تزحف زينب جربوع داخل خيمتها في مواصي خان يونس جنوبي قطاع غزة، من أجل القيام بواجباتها اليومية كأم نازحة ترعى طفلين، وزوجة أيضًا لرجلٍ من ذوي الإعاقة.
لم تجد السيدة وصفًا لحياتها القاسية في الخيمة سوى "سجن"، "عندما يسكنها زوجان من ذوي الإعاقة الحركية".
لم تكن زينب عندما تزوجت ذات إعاقة، بل كانت سليمة الأعضاء لا تشكو من مشكلة، لولا خطأ طبي تعرضت له بعد زواجها بأربع سنوات، تسبب ببتر قدميها الاثنتين، في حين كانت قد تزوجت نهاد، الذي يعاني من شلل في أطرافه السفلية منذ الولادة، نتيجة خطأ طبي أيضًا.
في السابع من أكتوبر/ تشرين أول الماضي، أعلنت "إسرائيل" حربها على غزة، وعانى الزوجان كباقي سكان قطاع غزة من ويلات القصف والتجويع والحصار.. والنزوح أيضًا، عندما اضطرا إلى ترك بيتهما في مخيم الشابورة للاجئين بمدينة رفح في مايو/ أيار على وقع عملية عسكرية برية إسرائيلية، لا تزال مستمرة في هذه المدينة الصغيرة الواقعة في أقصى جنوبي القطاع على الحدود مع مصر.
ومن مكان إلى آخر في رحلة النزوح المريرة، تنقلت هذه الأسرة، قبل أن تصل إلى محطتها الحالية، في خيمة بمواصي خان يونس.
وبحسب زينب، فإن هذه الخيمة كان من المفترض أن تكون -بحسب القائمين على المخيم- موائمة لذوي/ات الإعاقة، لكنها في الحقيقة تفتقر إلى كل احتياجاتهما كزوجين يعانيان من إعاقة.
وتقول: "نزحنا 4 مرات، وانتقلنا أخيرًا إلى هذه الخيمة على أساس أنها موائمة لذوي الإعاقة، لكنها للأسف لا تفي باحتياجاتنا، ولا يوجد بها حتى مرحاض يراعي حالتنا، فنضطر إلى قضاء حاجتنا بوعاءٍ بلاستيكي".
تستيقظ زينب يوميًا مبكرًا مع شروق الشمس، وتمسك بمكنسةٍ انتزعت ذراعها، ثم تزحف بها زحفًا في الخيمة لكنسها وتنظيفها من الرمال، حيث مخيم النزوح الذي تقيم به في منطقة رملية قريبة من شاطئ البحر، غربي المدينة.
كالنحلة، لا تتوقف عن الحركة وتدبير شؤون أسرتها يوميًا، فبعد أن تفرغ من تنظيف الخيمة، تتشارك وابنتها في عجن الدقيق وتجهيز الأرغفة التي يحملها ابنها على رأسه نحو فرن طيني ليخبزها فيه، إذ لا يتوفر غازٌ للطهي.
وتضيف: "إذا توفر لدي ما أطبخه فإنني أشعل النار للطبخ على موقد بدائي عبارة عن وعاء من الصفيح".
"والله النزوح صعب على الناس العاديين فما بالكم بزوجين من ذوي الإعاقة؟".
وقبل أن تكمل شرح روتينها اليومي القاسي، يتدخل زوجها نهاد ليخبرنا: "تمر علينا أيام بدون طعام. الأسعار مثل النار، وغالبًا لا نأكل طعامًا مطبوخًا إلا من التكية التي لا تعمل بشكل يومي".
وتأثرت التكيات الخيرية التي توزع الطعام مجانًا في مخيمات النزوح ومراكز الإيواء إثر اقتحام قوات الاحتلال معبر رفح البري مع مصر واحتلاله والسيطرة عليه وإغلاقه، حيث توقفت حركة تدفق المساعدات الإنسانية والإغاثية عبر هذا المنفذ الذي يمثل "شريان الحياة" بالنسبة لزهاء مليونين و200 ألف فلسطيني في القطاع المحاصر.
وقال نهاد: "من فترة ما بنشوف أي مساعدات، وحياتنا مأساوية، وما في حدا سائل فينا.. والله النزوح صعب على الناس العاديين فما بالكم بزوجين من ذوي الإعاقة؟".
وألقى احتلال معبر رفح البري وإغلاقه بآثاره الثقيلة على مناحي الحياة كافة، خاصة على القطاع الصحي، حيث تترنح المستشفيات والمرافق الصحية، وتعاني من نواقص حادة في كثير من أصناف الأدوية والمستهلكات الطبية.
تحكي زينب: "لا أجد دواء الأعصاب الذي أتناوله، وليس لدي القدرة المادية على البحث عنه في صيدليات تجارية نظرًا لارتفاع ثمنه".
"هل هذه حياة؟" بحرقة وحزن شديدين يتساءل نهاد وهو يجلس على كرسي متحرك قديم ومتهالك، مبينًا أنه يتشاركه مع زوجته زينب، فليس لديهما كرسي آخر.
"لا أجد دواء الأعصاب الذي أتناوله، وليس لدي القدرة المادية على البحث عنه في صيدليات تجارية نظرًا لارتفاع ثمنه".
وبصعوبةٍ بالغة، وبمساعدة ابنيهما يتحرك نهاد وزينب على هذا الكرسي في دائرة ضيقة لا تزيد على بضعة أمتار داخل الخيمة وفي محيطها، نظرًا للرمال الساحلية التي تحيط بالمكان، وتزيد حياتهما تعقيدًا حتى في أبسط التفاصيل اليومية.
"هذه الخيمة أسوأ من السجن بالنسبة لأشخاص من ذوي الإعاقة" يصف نهاد الوضع، فيما تكمل زوجته زينب: "متى نعود لبيتنا؟ رغم أنه صغير، وكنا أيضًا نعاني فيه من الإعاقة إلا أننا كنا نتحرك بسهولة على البلاط بواسطة الكرسي المتحرك".
قاطعها نهاد بقوله: "طيب.. وإلى حين العودة لبيوتنا، والله أعلم إذا كانت قائمة أصلًا أو مدمرة، لماذا لا يكون لنا كذوي إعاقة مخيمات خاصة وموائمة لاحتياجاتنا؟".
سكت للحظات جال خلالها ببصره في أرجاء الخيمة، وأكمل: "لا نطلب المستحيل، نريد فقط حقوقنا كبشر ابتلانا الله بالإعاقة الحركية".
ومن شأن الحرب الإسرائيلية الضارية التي أكملت ثلاثمئة يوم على التوالي، أن تزيد من أعداد من يندرجون تحت فئة ذوي الإعاقة، إذ تشير تقديرات منظمات صحية محلية ودولية إلى أن الحرب تسببت حتى اللحظة في 11 ألف حالة بتر للأطراف، من بينها حالات لـ 4 آلاف طفل.
