غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
"أمانة عليكم طخوني وخلصوني" هكذا كان الأسير وليد الخليلي يصرخ أثناء تعذيبه بالكهرباء في معتقل "سديه تيمان" على بعد 5 كيلومترات شمالي غرب بئر السبع.
كان الضابط الإسرائيلي، ينظر إليه في كل مرةٍ ويضحك، ثم يهمس في أذنه مستخفًا بوجعه: "مين قلك احنا بدنا نخلصك؟ احنا ما بدنا اياك تموت، احنا بدنا تتعذب بس"، ثم يأمر بزيادة قوة الكهرباء الواصلة إلى جسده على وقع قهقات الجنود.
رحلة عذاب وليد في ذلك المعتقل، الذي تطالب مؤسسات حقوقية بإغلاقه لـ"انتهاكه" قوانين حقوق الإنسان"، بدأت حين حاصر جيش الاحتلال الإسرائيلي إحدى البنايات السكنية في منطقة تل الهوى غربي مدينة غزة، واقتحمها واعتقل من فيها.
بكل حقد، نظر إليه ضابطٌ في الطريق وقال له: "إنت إمك داعية عليك، رايح على سديه تيمان"، وحينما سأله وليد "شو هاد؟" أجابه: "هذا معتقل، الداخل فيه مفقود، والطالع منه مولود".
في كل زاويةٍ من زوايا المعتقل، كانت أصوات صرخات الأسرى تدوي. "تشلع القلب" على حد تعبير وليد، هناك الكل يناجي الله، ولا أحد يسمع أو يرى.
يقول لـ"نوى" في شهادته: "جميع الأسرى مشبوحين عُراة، معلقين من أياديهم بسلاسل نحو الأعلى. ممنوعون من الطعام والشراب وحتى دخول الحمام، ويجبرهم الجنود على لبس الحفاضات".
دخل وليد غرفة الشبح لأول مرة. جرّده الجندي الإسرائيلي من جميع ملابسه، وأجبره على لبس الحفاضة، ثم قام بشبحه إلى جانب باقي المعتقلين. يخبرنا: "كنت مربوط اليدين والقدمين، ومعصوب العينين. وضع الجندي سيخًا حديديًا كالجمر على قدمي ثم شبكه بالكهرباء. لحظتها صرخت بشكل جنوني، لقد وصلت الكهرباء لرأسي حتى أُغمي علي".
في معتقل "سديه تيمان"، للموت أصناف وألوان، يتجرعها كل من يصله. "الكلبشات عبارة عن عضّاضة تنهش لحم اليد حتى تصل إلى العظم. أنا مثلًا بقيت معلقًا فيها طوال فترة اعتقالي".
يكمل: "لم أحتمل وجعها. كنت أصرخ وأنادي: فكوها، وفي كل مرة يكون الجواب المزيد من الضرب المبرح! أنا حتى اليوم أعاني من تهتك باليدين بسببها، وبحاجة لعملية".
أما الماء والطعام، فهما معاناة أخرى. يروي وليد: "كل عدة أيام نحصل على قطعة خبز صغيرة جافة كالحطب. كذلك الماء، إذا طلبته تُضرب ويُنكّل بك، وفي مرة فعلتُها، قلت لهم أنا عطشان، فضربوني ووضعوني في وعاء كبير مملوء بالماء الساخن، ووضع أحد الجنود قدمه فوق رأسي، فصرختُ بأعلى صوتي: خلص بديش مية، بديش أشرب خلص".
لم يكتفِ الجنود بذلك، بل وضعوه بعدها مباشرةً في ثلاجة، ثم أخرجوه إلى ساحة مفتوحة، ورشوا عليه الماء، وتعمدوا تسليط المراوح على جسده. يكمل: "شعرت بالبرد الشديد يمزق شراييني، ثم أصبت بالإنفلونزا ولم يقدموا لي أي علاج".
"صرخ أسير في وجوههم بصوتٍ عالٍ: خلص اقتلوني وريحوني"، فأومأ الجندي برأسه موافقًا، وأخذه إلى الخارج، ثم سمعنا صوت إطلاق نار".
عشرون يومًا قضاها وليد داخل "سديه تيمان"، كان أبشعها يوم اقتيد برفقة 10 أسرى إلى زاوية تحت الأرض، وانهالوا عليهم بالضرب بالهراوات والعصي. يرسم المشهد بقوله: "أحد الأسرى تعب كثيرًا، ويبدو أنه لم يحتمل الألم الذي أصاب جسده، فصرخ في وجوههم بصوتٍ عالٍ: خلص اقتلوني وريحوني"، فأومأ الجندي برأسه موافقًا، وأخذه إلى الخارج، ثم سمعنا صوت إطلاق نار. اختفى صوت الأسير، وعاد الجندي ينفض يديه مبتسمًا".
ويتحدث الأسير المحرر فادي بكر، ما رآه في نفس المعتقل، عندما اعتقل ليس ببعيدٍ عن مكان اعتقال وليد، "دوار الدحدوح"، بينما كان ينتظر الطحين كي يطعم عائلته.
يقول: "أطلقوا ثلاث رصاصات أصابت يدي اليمنى وقدماي. زحفت حتى وصلت إلى منزلٍ وحوصرت بداخله خمس ساعات، ثم اقتحموه واعتقلوني".
من أصعب المشاهد التي مرت على فادي في "سديه تيمان" كانت، عندما جردوا أسيرًا من ملابسه بالكامل، وضربوه، ثم رش الضابط على مؤخرته شيئًا يشبه المسحوق، وأطلق خلفه كلبًا بوليسيًا مسعورًا فاغتصبه"، حسب روايته.
أما فادي نفسه، فقد تفننوا بتعذيبه كما يخبرنا، إذ أجبروه على النوم فوق جثة متحللة، بعد أن وصل المعتقل مصابًا أصلًا.
وأضاف: "عالج الطبيب الإسرائيلي يدي وقدماي بالكَيْ، ولم يقدموا لي العلاج بالشكل المناسب بل بالتعذيب".
"جردوا أسيرًا من ملابسه بالكامل، وضربوه، ثم رش الضابط على مؤخرته شيئًا يشبه المسحوق، وأطلق خلفه كلبًا فاغتصبه".
ومن مبنى الحفاضات إلى الديسكو، يشرح: "ضربوني وكسروني، وجردوني من ملابسي، وأدخلوني على جهاز حراري، ووضعوني داخل غرفة مساحتها 4×4، صوت الموسيقى فيها لا يحتمل لشدته، وبقيت نائمًا على ظهري أربعة أيام لا طعام ولا شراب".
ويتعمد جنود الاحتلال وضع الأسرى في تلك الغرفة، كنوعٍ من التعذيب النفسي والجسدي، "فقد وضعوا سماعة الموسيقى بجانب أذني تمامًا. أربعة أيام من العذاب بالموسيقى الصاخبة، نزفت بعدها أذني دمًا" يعقب.
على قدمه المصابة، وضع الجنود سيخ الكهرباء حتى أغمي عليه، فلما استيقظ وجد مكان الإصابة ينزف من جديد، ويتابع: "انتفخت قدمي بشكل كبير لوجود الدم الفاسد، أجروا لي عملية وأنا مكبل اليدين والقدمين في السرير، ورفضوا إعطائي البنج. نصف ساعة قضيتها تحت أزيز الموت، والجندي يضربني على بطني أثناء العملية".
45 يومًا قضاها فادي داخل ذلك المعتقل، يصفها بقوله: "هادا مش سجن.. هادا مكان للانتقام، وبيجربوا فيه أسوء أنواع التعذيب".
ويحدثنا الأسير علام حجازي عن أكثر من 12 ساعة، قضاها هناك جاثيًا على ركبتيه، مكبل اليدين والقدمين، معصوب العينين. يقول: "أي أسير يؤتي بأي حركة، أو يحاول الحديث مع الآخر، يسحبونه ويضربونه ثم يأخذوه لغرفة العزل الانفرادي لعدة أيام".
أغمي على علام داخل السجن، فنادى أحد الأسرى السجان ليأخذه إلى العيادة لكنه رفض، وصرخ في وجهه: "لما يموت جيبولي إياه.. طالما عايش إنسو".
من شدة الضرب والتعذيب أغمي على علام داخل السجن، فقام أحد الأسرى بمناداة السجان ليأخذه إلى العيادة لكنه رفض، وصرخ في وجهه: "لما يموت جيبولي إياه.. طالما عايش إنسو".
وعن أسوء ما عاشه داخل السجن، قال: "حين وضعوني داخل الكلّابة هكذا يسمونها. وهي مكان مهيأ للكلاب المُقنَّعة التي هجمت علي وكسَّرت عظام صَدري".
يحكي بقهر: "في بعض اللحظات تمنيتُ الموت. لو الانتحار حلال لانتحرت. كانت لحظات التعذيب صعبةً جدًا، خاصةً داخل غرفة الموسيقى الصاخبة، التي قضيتُ بداخلها ثلاثة أيام من الضرب والتجويع والإهانة. ما زلت حتى اللحظة أعاني من خرقٍ في طبلة أذني، وكسرٍ في أضلاعي، وكل هذا علاجه في القطاع معدوم".
