غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
إذا صادفتَ يومًا إحدى كتابات الصحافية نيرمين حبّوش ستصيبك الغصة. ستكون لحظتها في عداد الشهداء، بينما أنت تقرأ لها مقالًا عنوانه: "صحافية ناجية من الحرب"!
في مجلة "علّي صوتك" الإلكترونية، الصادرة عن الهيئة الفلسطينية العامة للإعلام، "بيالارا"، هناك الكثير من الكلمات قالتها نيرمين، وحولتها لمقالات صدحت فيها برأيها بقوة، فكتبت عن حقوق الإنسان، والحياة، والمجتمع، والعمل، والبطالة، والتعليم والأمان.
استشهدت "نيرمين" برفقة والدتها وابنتها لين (5 أعوام) في السابع والعشرين من كانون الأول/ ديسمبر الماضي، عندما لجأت إلى بيت العائلة هربًا من القصف دون أن تعرف أنها هرعت إلى قدرها الأخير، وخلفها تركت زوجها عبد العزيز، وابنتها الثانية "إيلان"، يعيشان مرارة الفقد، في كادرِ صورةٍ سيبقى ناقصًا إلى الأبد.
وفي الوقت الذي تصدر فيه وزارة الصحة في قطاع غزة يوميًا إحصائية لأعداد الشهيدات، تمر الأسماء في النشرة باهتةً وحدَها. تمرُّ دون أن تحكي أن لكل اسمٍ حكاية، ولكل شهيدةٍ قصة، وأحلام، وحياة، ومواقف، وذكريات، أتعبت من بعدها قهرًا ووجعًا.
تحكي زميلة نيرمين، مها أبو طبيح لـ"نوى"، كيف كانت صديقتها تجمع بين المسؤولية والصداقة، وتعرف الوقت المناسب لكليهما، وتقول: "الكثير من المواقف جمعتني بها. وقت العمل كانت الملجأ والسند، رغم أنها كانت المسؤولة عن نشر تقاريرنا، ووقت انتهاء العمل تكون الصديقة التي يمكن أن تجلس معها وتحكي كل ما يدور في قلبك، لتسمع نصيحتها، ورأيها الحكيم". وتردف: "لن يشبه أحد نيرمين، ولن نعرف مثلها أحد أبدًا".
"الشهيدة هبة العبادلة كذلك" يقول زميلها في فريق المناظرات بجامعة الأزهر عبد الجواد حميد، ويكمل: "لن يمر عليك مثلها. كانت مختلفة بطرحها دائمًا، ورأيها على الدوام يكشف عن مستوىً عالٍ من الثقافة والعلم، يفوق بكثير قدرات شابات ما زلن في السنة الثانية لمرحلة الليسانس".
كانت هبة (33 عامًا)، وفق عبد الجواد سباقة لمعرفة الجديد في كل القضايا، "وكانت المتناظرة الأقوى التي تتمكن من الإطاحة بكل من يقابلها من فرق الجامعات الأخرى؛ بسبب قدرتها على اقتناص نقاط ضعف الخصم، وبعضهم كان يفقد أعصابه أمام طرحها" يستدرك.
استشهدت هبة في الثامن من كانون الثاني/ يناير للعام 2024م برفقة والدتها وابنتها جودي (5 أعوام)، بالإضافة إلى ما يزيد على 60 شهيدًا من عائلة الأسطل، خلال الاجتياح البري لمنطقة السطر الغربي بمدينة خان يونس جنوبي قطاع غزة.
قالت هبة في آخر ما كتبته عن الحرب: "نحن في غزة أناس عاديين، واللهِ نحن بشر، نحب الحياة، لسنا من جلمود الصخر، بل بشر من طين وماء، والكثير من الكرامة".
وكيف يمكن أن تصف ابنةٌ أمها "الشهيدة"؟ تجيب آلاء أبو قاسم، ابنة آمال أبو قاسم (60 عامًا)، التي نجت من قصفٍ خسرت بعده أمها وأختها وأربعة من أبنائها، لمنزلهم بدون سابق إنذار، خلال يناير، بينما كانت تعد لهم طبق "البشاميل" الأخير.
تقول: "ما في حدا مثل ماما. والدتي سخية وكريمة، قبل أن تستشهد وزّعت الكثير من الملابس للمحتاجين والنازحين، حتى الجديد منها، في حين احتفظت ببعض القطع التي لها ذكريات تعنيها كثيرًا".
وتكمل: "خبَّأت أمي هذه القطع داخل حقيبة خاصة، وكانت تقول: سأهديها لأحفادي في المستقبل، لا سيما تلك التي صنعتها بصنارتها اليدوية".
نشرت آلاء -بعد مرور أشهر على قصف المنزل صورًا لهذه الحقيبة، التي بقيت رغم تدمير المنزل وتضرره بالكامل. تعقب آلاء: "رغم وجعي، إلا أنني كلما نظرت ناحية الحقيبة، رأيت وجه أمي، وشممت رائحتها الطيبة. سعيدة لنجاة هذه الذكرى طويلة العمر".
وفي شمالي قطاع غزة، كانت الشهيدة مريم التلولي (24 عامًا) عضوًا فاعلًا في المجلس الطلابي لحركة فتح. كانت شجاعةً قوية، وكان العنفوان جزءًا من شخصيتها، هكذا تحدث عنها كل من عرفها، لا سيما وقد استشهدت "بطلة".
خلال حصار قوات الاحتلال الإسرائيلي لمخيم جباليا، تحديدًا في شارع المدارس، بدأ الحدث عندما جاء رجلٌ مسنٌ يطلب المساعدة لابنه المصاب خارج المدرسة.
يقول شقيقها لـ"نوى": "فورَ استماعها للرجل، قامَت أختي لتلبية النداء، ومنعتها أمي، ولكن سألَتها على الفور: "لو كان ابنك المصاب مش بدك حدا ينقذه؟ فصمتت أمي وذهبت مريم".
ويقول: "سرعان ما وصلت مريم لذلك الطفل، وبدأت تحاول من خلال التنفس الصناعي أن تعيد له أنفاسه، باغتها رصاص القناصة، وأصابتها واحدة في ظهرها. بدأَت أمي تطلب منها أن تزحف للأمام حتى يتمكن أي شخص من إنقاذها، لكن القناص أعاد إطلاق الرصاص بشكلٍ متتالٍ حتى رحلت مريم، وغادرتنا إلى الأبد".
هي أسماءٌ من قائمةٍ تطول، لشهيداتٍ غادرن إلى السماء، وبقي ذكرُهُن في الأرض حرًا. هذه "ذكرى" لتوثيق أسمائهن ضمن قصصٍ قصيرة، تحكي من أرض غزة: شهيداتنا وشهداؤنا ليسوا أرقامًا.
