نهش يده "كلب" فنطق لأول مرة: "خلص يا حبيبي"!
تاريخ النشر : 2024-07-18 15:01

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

"كانت المرة الأولى التي ينطق فيها. قال للكلب: خلص يا حبيبي، ثم ما لبث وقع بين فكّيه" تقول والدة الشهيد محمد بهار لـ"نوى".

محمد، المصاب منذ الولادة بمتلازمة داون، لا ينطق أصلًا، لكنه نطق حينما ظنَّ أن "الكلب" الذي اقتحم عليه بيته في حي الشجاعية شرقي مدينة غزة، برفقة جنود الاحتلال، يشبه مخلوقات هذا الكون الرقيقة، ولم يعرف أن رؤيته له ستكون "أول نطقِهِ" وآخره أيضًا.

بدأت الحكاية يوم الخميس، الموافق 27 حزيران/ يونيو الماضي، عندما اقتحم جنودٌ من جيش الاحتلال حي الشجاعية بشكل مفاجئ، ما أدى إلى تدمير العديد من المنازل، وأسفر عن عدد من الشهداء والمصابين.

في سابع أيام الاقتحام، تحكي أم محمد، حوصرت العائلة داخل المنزل، بينما تواصل إطلاق النار من الدبابات والطائرات في كافة الشوارع، والاتجاهات. ولما صار الرصاص يدخل إلى المنزل، لم تجد العائلة بُدًّا من الصراخ على الجنود: "نحن مدنيون، نحن أهل هذا البيت عزل ونريد أن نخرج".

تضيف: "سمع الجيش النداءات، فأطلق مجموعةً من الجنود صوبه، ترافقهم الكلاب البوليسية المدربة، ولما حطموا الباب، وجدوا العائلة كلها في زاوية إلا محمد، الذي يعاني أصلًا من التوحد، لم يتجاوب معنا، وبقي على الأريكة يجلس وحده".

وتكمل وهي تبكي بحرقة: "هجمت كلاب الجيش علينا، وبدأ أحدهم ينهش يد محمد الذي نزف كثيرًا. رجوتُ الجندي أن يبعده عنه، وقلت له إنه مريض، لكنه لم يسمع. في تلك اللحظة، أعطى محمد ردّة فعل غير متوقعة: نطق وقال للكلب: خلص يا حبيبي، فأخذه الجنود إلى غرفة، وصرتُ أصرخ. لم يخبروني ماذا سيفعلون به، أخذوه دون أي حرف".

وتردف: "اقتادونا إلى الشارع، وطلبوا منا أن نجثو على ركبنا، ثم أخذوا اثنين من أبنائي. كلابهم أمامنا تنبح بشدة، كانت أنيابها مرعبة، وصوتها مزلزل، بقينا على هذا الحال 4 ساعات، حتى عادوا فأخذونا إلى البيت مرة أخرى. هناك ضربوا أحد أبنائي وكان مكبل اليدين بشدة، وكنتُ كلما طلبتُ منهم أن أرى محمد، يرفضون، ويقولون لي: محمد بخير".

ادعى أحد الجنود حتى تسكت الأم عن طلب رؤية ابنها، أنه أحضر له "طبيبًا عسكريًا" ليعالجه من نهش الكلب، ثم أصدروا الأوامر بخروجهم من البيت ثانيةً، بينما بقي محمد في الغرفة وحده، لم تره أمه ولم تودعه.

تكمل السيدة الثكلى رواية القصة، ودموعها تهطل مطرًا: "واحنا طالعين من البيت ضربوها بالقذائف. تخبينا في حاصل، وتحاصرنا، وصارت طيارات الكواد كابتر تطخ علينا، لكن فجأة طلعوا ناس حاملين رايات بيضا، عملنا متلهم ورفعنا راية وطلعنا من المنطقة".

تصر أم محمد بأن ابنها أُعدم بدمٍ بارد في ذلك اليوم، فبعد أربعة أيام من الحدث، عادوا ليروا ما حل بابنهم، فإذا بهم يجدونه على الأرض شهيدًا، ملقىً على بطنه، ودمه لم يجف بعد، بينما يده ملفوفة بالشاش الأبيض!

"مش قادرة أنسى، ولا أتخطى صورته، وهو بيحكي للكلب اللي كان بينهش لحمه: خلص يا حبيبي. لأول مرة أسمعه بيحكي كلام مفهوم".

ما حدث مع محمد، تحول إلى كابوس يلاحق والدته طوال الوقت. تقول: "مش قادرة أنسى، ولا أتخطى صورته، وهو بيحكي للكلب اللي كان بينهش لحمه: خلص يا حبيبي. لأول مرة أسمعه بيحكي كلام مفهوم. كل ما أحط راسي عالمخدة بسمع صوته، وبتذكر كل شي صار معنا، وبيطير من عيني النوم".

تشعر السيدة بالقهر، كلما تذكرت محمد، وتلك البراءة الكبيرة التي كان يحملها في قلبه وعقله، ذلك الفتى الصغير الذي لا يعرف النوم إلى بقربها، ولا يأكل أو يشرب إلا إذا ابتسمت له. "أعرف أنه في مكانٍ أجمل الآن، وقد ارتاح من كل هذا الشر الذي لا يشبهه" تختم بحرقة.