غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
تدخل الشابة إسراء حميد (31 عامًا) خيمتها، حاملةً بين يديها طفلها تامر (4 سنوات)، بعد زيارةٍ لنقطةٍ طبية في أحد مخيمات النازحين بمدينة دير البلح وسط قطاع غزة.
"تحسّنت قدم تامر كثيرًا وهذا ما يخفف عن قلبي قليلًا" تقول، بينما تمسح العرق الذي يتصبب على جبينها، وتبدأ برواية القصة.
مع إعلان "إسرائيل" حربها على قطاع غزة في السابع من تشرين أول/أكتوبر الماضي، ونزوح مئات الآلاف من مدينة غزة وشمالها إلى مناطق الجنوب، آثرت إسراء البقاء في حيها "الشجاعية"، حيث الموت إن كان مكتوبًا لها -وفق تعبيرها- لن يتأخر عنها في الشمال كانت أو الجنوب.
تقول: "اخترت البقاء. عانينا من رعبٍ لم نتوقعه في حياتنا. قصف مستمر، وعائلات بأكملها تمسح من السجل، طائرات حربية لا تغادر السماء، وكواد كابتر تقتحم البيوت من النوافذ، وأحيانًا تنفجر بداخلها لتوقع شهداء وجرحى".
"في ذلك اليوم، دخلت طائرة كواد كابتر بيتنا، حامت بيننا ونحن ننظر ببعضنا مشدوهين، فقررتُ النزوح. لم يعد هناك شيئًا يُحتمل"
في كل لحظة، كانت تتلو الشهادتين استعدادًا للموت، وكانت على إصرارها بأن "الموت إن كان مكتوبًا سيلحق بصاحبه أينما كان"، لكنها مع تفاقم أزمة الغذاء شمالي القطاع، لم يعجزها إلا صوت طفلها الجائع.
تضيف: "في ذلك اليوم، دخلت طائرة كواد كابتر بيتنا، حامت بيننا ونحن ننظر ببعضنا مشدوهين، فقررتُ النزوح. لم يعد هناك شيئًا يُحتمل، الخوف وعلاوة عليه الجوع".
عندما نزحت إسراء، كان برفقتها طفلها تامر، بينما بقي شق قلبها هناك حيث ابنتها "ليان" (10 سنوات)، التي تمكث في حضانة والدها وحدها. تعقب باكيةً: "أحاول الاطمئنان عليها بين حين وآخر، ولكن الآن يأكلني القلق عليها مع انقطاع أخبارها في الشمال، لا أعرف أين هي".
نزحت إسراء مشيًا على الأقدام لنحو ثلاث ساعات وسط شوارع مدمرة وفوق رأسها طيران مرعب، وعند الحاجز أطلقت الدبابات النار صوب الناس. أصيب البعض واعتُقل آخرون. أشلاء متناثرة في كل مكان، جثث متحللة، اعتقالات لشبان وفتيات من كل الأعمار. الدبابات تتحرك بشكل مرعب، والجنود يصرخون بالناس، وقتها أصيبت إسراء بانهيار عصبي، وانفجرت ببكاء هستيري.
وصلت أخيرًا إلى بيت شقيقها في مدينة حمد بخانيونس جنوبي القطاع، ودموعها لم تتوقف دقيقةً عن الهطول. يومان فقط قضتهما هناك حتى تم تحذير المنطقة، فخرجوا منها جميعًا صوب تل السلطان بمدينة رفح، وتم قصف كامل العمارة التي تتواجد فيها شقة شقيقها.
عانت إسراء من عدم وجود أي ملابس معها، سواء لها أو لطفلها تامر، ومع ظروف الحرب فهي أيضًا لا تتلقى نفقة طفلها.
عانت إسراء من عدم وجود أي ملابس معها، سواء لها أو لطفلها تامر، ومع ظروف الحرب فهي أيضًا لا تتلقى نفقة طفلها. في مدينة رفح كان القصف يحدث بشكل متقطع، وذات مرة حين حدث القصف سقط تامر أرضًا وأصيب بجرحٍ في ساقه.
تشرح أمه: "لم تكن إصابته خطيرة في البداية، وعدت إلى المكان الذي نزحت إليه، ولكن مع مرور الأيام اكتشف طبيب أن تامر أصيب بقطع في الشريان، وكان يجب إجراء عملية صغرى من البداية كي لا تتفاقم حالته".
نزحت إسراء بطفلها تامر إلى مدينة دير البلح عندما اجتاح الاحتلال رفح، وهناك أنشأت خيمة، وعرضت حالة طفلها على نقطة طبية أقيمت بدعم فلسطينيات، فتابع الأطباء علاجه فيها، وتحسنت أحواله.
تزيد السيدة المفطورة قلقًا على ابنتها في الشمال: "أعيش نارًا من القلق على ابنتي، وقلقًا على تامر الذي لا أستطيع توفير متطلباته. تلاحقني كوابيس الحاجز والجثث، وأرى ليان كل يوم في شكل ولون، وكأنها تناديني، أعرف أنها تحتاج إليَّ كثيرًا الآن، لكنني هنا، عاجزة تمامًا عن فعل شيءٍ من أجلها"، مردفةً ببكاءٍ لم يتوقف لحظة: "يا رب تخلص الحرب".
