"كلبٌ أسود" في كوابيس دولت: "مثل الغول عضني"!
تاريخ النشر : 2024-07-14 14:40

"أمانة ابعدوه عني.. يا الله، محدش سامعني يا الله"، هكذا كانت تصرخ المسنة دولت الطناني (68 عامًا) بعدما هاجمها كلبٌ بوليسيٌ كان يرافق جنودًا إسرائيليين اقتحموا بيتها في مخيم جباليا شمالي قطاع غزة، وهي على سريرها نائمة.  

"حاولت إبعاده عني لكنه كان قويًا جدًا. عضّني، وجرني بأسنانه إلى خارج الغرفة فضرب رأسي بالباب. لقد رأيتُ الموت بأمِّ عيني".

بدأت الحكاية حين اشتدد القصف المدفعي والمروحي على المخيم، وقررت عائلة دولت النزوح من بيتها إلى غربي المدينة، لكنها رفضت، وأصرت على البقاء في بيتها ولو كان في ذلك موتها.

تقول لـ "نوى": "بقيتُ لوحدي داخل البيت، صليتُ العشاء، ونمت، ولما استيقظت وجدت نفسي بين براثن الكلب، وأنيابه"، مضيفةً: "حاولت إبعاده عني لكنه كان قويًا جدًا. عضّني، وجرني بأسنانه إلى خارج الغرفة فضرب رأسي بالباب". تصف تلك اللحظة: "رأيت الموت بأم عيني".

أصيبت دولت بنزيف حاد أدى إلى فقدانها الوعي لأكثر من خمس ساعات. تخبرنا: "استيقظتُ بعدها فوجدت نفسي غارقةً بالدماء. يدي كانت تنزف فربطتُها بمنديلي، وبصعوبة مشيت إلى الحمام".

صُدمت دولت عندما حدث ما لم تكن تتوقعه. تروي: "فتحتُ باب الغرفة، ووجدت الكلب في انتظاري، أغلقتُهُ فورًا وعدت إلى سريري".

في تلك اللحظة ازداد النزيف، وصار السرير يقطر دمًا، ربطت دولت يدها بمنديلٍ آخر لعل النزف يقف، كل هذا والأحزمة النارية تلف المخيم.

ساعتان كاملتان ودولت على يقين بأنها لن تنجو. "لكن للعمر بقية" تستدرك. لما سكت صوت القصف فجأة، تمالكت نفسها بشجاعة، وذهبَت نحو باب الغرفة مجددًا. فتحَته بهدوءٍ تام، ونظرَت خلفه فلم تجد الكلب، مشت نحو باب البيت، وكان جنود الاحتلال قد غادروه تمامًا.

بين الأزقة والبيوت المدمرة، مضت دولت زاحفةً حتى وصلت إلى شارعٍ عمومي. تروي: "وجدتُ المسعفين ينقلون المصابين، وصرختُ أنادي عليهم فلمحوني، فهرعوا فورًا، ونقلوني إلى مستوصف اليمن السعيد داخل المخيم".

على عربة تجرها دابة، نقل رجال الدفاع المدني السيدة المسنة، إلى مستشفى كمال عدوان، وهناك صعق الأطباء بحالتها، إذ لم تتوفر أي أنواع من العلاجات اللازمة لها، فقرروا نقلها مجددًا إلى مستشفى العودة.

تضيف: "يدي اليمنى تهشم عظمها، ولم يكن يحملها إلا اللحم، ناهيكم عن الجروح في رأسي، كل ذلك بسبب عضات الكلب"، تصف ذلك: "زي الغول عضني".

تحتاج دولت لعملية جراحية عاجلة، لكن انعدام الإمكانيات والأدوية في مستشفيات شمال غزة، أجبر الأطباء على لف يدها بشاش أبيض فقط، وبدلًا من أن تبيت بالمستشفى، خرجت على الفور لاكتظاظ المصابين بداخلها.

"يدي اليمنى تهشم عظمها، ولم يكن يحملها إلا اللحم، ناهيكم عن الجروح في رأسي، كل ذلك بسبب عضات الكلب".

أُجبرت دولت على النزوح، ولكن هذه المرة وهي بوضع صحي حرج، ناهيكَ عن خروج معظم مستشفيات الشمال عن الخدمة.

تقول: "نزحتُ إلى مخيم الشاطئ، وبقيتُ عشرين يومًا دون أن أتمكن من غيار الشاش الذي يلف يدي".

لكن لماذا لم تذهب إلى مستشفى الشفاء؟ تجيب: "العلاج بداخلها معدوم، جنود الاحتلال حرقوا معالمه، ولا يوجد به أي مقومات أساسية للعلاج".

حين عادت إلى مخيم جباليا بعد انسحاب الاحتلال منه، ذهبت إلى مستشفى العودة، وهناك حالة من الصدمة أصابت الأطباء بعد رؤيتهم يدها وقد نهشتها الالتهابات، بالإضافة إلى عضات الكلب.

تكمل: "الدود كاد يخرج من يدي، فتح لي الأطباء الجرح وعالجوني، وأخبروني بأن أتردد إلى المستشفى يوميًا للغيار، حتى لا يلتهب الجرح في ظل عدم إمكانية إجراء عملية".

هواجس ومخاوف لم تفارق المسنة دولت منذ ذلك اليوم، بينما لسان حالها يردد كل يوم، تحديدًا وقت أذان العشاء: "يما الحقوني، كلب أسود وطويل".

وتعقب: "بخاف أضل لحالي، بضل أحكيلهم ضلوا عندي ما تتركوني، ليجي الكلب مرة تانية".

وتتمنى المسنة دولت أن تسافر للخارج لاستكمال علاجها حتى لا تفقد يدها للأبد، ووجهت صرختها للمجتمع الدولي، ومؤسسات حقوق الإنسان قائلة: "بناشد كل الجهات المختصة يجبولنا أكل، الشمال جعان وما حدا سائل فينا".