دير البلح.. "خيام" من أكياس الطحين والعلف!
تاريخ النشر : 2024-07-07 13:18

دير البلح:

تنشغل المواطنة هيام صبحي في شدّ حبال معرّشٍ أمام خيمتها التي أقامتها قرب شاطئ بحر دير البلح وسط قطاع غزة. اللافت في المعرّش هو صناعته بالكامل من أكياس الأعلاف الفارغة، بعد حياكتها ووصلها ببعضها البعض.

تقول السيدّة الستينية المكنّاة أم أشرف: "يوفّر لنا هذا المعرش بعض الظلال التي تخفف وطأة الحر داخل الخيمة، وبسعرٍ معقول في ظل ارتفاع أسعار الشوادر التي تُصنع منها الخيام".

ومنذ أن شنّ جيش الاحتلال الإسرائيلي حربًا على قطاع غزة في السابع من أكتوبر 2023م، وأجبر مئات آلاف الفلسطينيين من سكان شمالي القطّاع على النزوح إلى جنوبه، يعيش مئات الآلاف في مخيمات للنازحين، داخل خيامٍ يصنعونها بأيديهم، في ظل ارتفاعٍ جنوني في أسعار الشوادر، والأخشاب.

وتنتشر جنوبي قطاع غزة، ظاهرة اعتماد المواطنين الفلسطينيين النازحين على الأكياس الفارغة للبضائع، وحياكتها ببعضها لدى الخياطين، وصناعة الخيام منها، وقد أصبح مشهد رؤية باعة أكياس الدقيق والأعلاف الفارغة، المطبوع عليها شعارات بعض المنظمات الدولية، عاديًا في شوارع دير البلح، وسط إقبالٍ كبيرٍ من المواطنين على الشراء.

عودة إلى أم أشرف النازحة منذ أكتوبر 2023م إلى رفح، ثم إلى دير البلح منذ بداية مايو بعدما شنّ الاحتلال عدوانه على المدينة الحدودية التي كانت تأوي مئات آلاف النازحين. تقول:" أنفقت مبلغًا كبيرًا لصناعة خيام لي ولأبنائي المتزوجين، وكنت بحاجة إلى المزيد من المال لإكمال الخيام، وصناعة معرشات تخفف وطأة الحر، لكن لم يتوفر المال، فلجأت للبديل الأقلّ سعرًا، خاصةً مع انتشار باعة هذه الأكياس التي أستخدمها أيضًا في تخزين المعلّبات والملابس، بعدما أصبحت أعيش في الخيمة دون أي أثاث".

المواطن يوسف أبو مغصيب أيضًا، وهو نازحٌ منذ بداية الحرب من منطقة وادي السلقا شرقي قطاع غزة إلى دير البلح، صنع خيمته بالكامل من أكياس الدقيق والأعلاف الفارغة، وألحق بها معرّشًا من الأكياس نفسها.

يقول: "هذه الأكياس أقلّ تكلفة من سعر الشوارد العادية، نشتري كيس الدقيق أو الأعلاف بمبلغ 2 شيكل للواحد، ونحيكها عند الخياط أيضًا بمبلغ معقول، فيصبح لدينا خيمة أقل تكلفة من الخيمة العادية، لكن تؤدي نفس الغرض تقريبًا".

وبمقارنة بسيطة، فقد تكلّفت الخيمة التي أقامها مبلغ 120 شيكلًا بينما يتكلف الشادر الذي يصلح لصناعة الخيام مبلغ 280 شيكلًا، وهو مبلغ يبدو مرتفعًا بالنسبة لمعدومي الدخل وأصحاب الدخل المحدود، في مجتمع أصبح يعتمد على المساعدات بشكلٍ شبه كامل.

يتابع أبو مغصيب: "حتى الخيام الجاهزة، التي تُعدّ الخيار الأفضل للناس، سعرها مرتفع جدًا لا نستطيع تحمّله، فنلجأ إلى بدائل زهيدة الثمن رغم قلة الجودة".

في سوق دير البلح المركزي، يكثر على الطرقات باعة الأكياس الفارغة، وبعدما كانت تُباع بأسعار زهيدة جدًا، ارتفع ثمنها إلى ثلاثة شواقل للكيس.

يقول الشاب محمد الأعرج وهو أحد هؤلاء الباعة: "أبيعها منذ نحو شهرين عندما زاد إقبال الناس على شرائها. يستخدموها في عدّة أشياء، منها صناعة الخيام والمعرشات، كما أنهم يستخدمونها للتخزين ولترتيب الثياب".

محمد هو نازحٌ من شمالي قطاع غزة، ورغم أن هذه المهنة ليست مهنته الأصلية، لكنه لجأ لها في محاولة منه لإيجاد فرصة عمل في ظل الظروف القاسية التي يعيشها قطاع غزة، منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية.

يقول محمد: "هي محاولة لإيجاد مصدر دخل، هذه الأكياس لم يكن سعر الواحد منها يتجاوز أغورات معدودة (أقل من نصف شيكل)، لكن في ظل احتياج الناس لها، هناك من استغل الأمر ورفع السعر. هي أكياس تحمل شعارات مصانع ومتاجر، وأحيانًا تكون زائدة عن حاجة التجار فيتم بيعها بدلًا من تركها".

"حجم الإقبال على شراء هذه الأكياس كبير جدًا، فكل كمية يتم عرضها تُباع فورًا".

ويؤكد محمد أن حجم الإقبال على شراء هذه الأكياس كبير جدًا، فكل كمية يتم عرضها تُباع فورًا. يعقب: "أنا لا أخسر في هذه المهنة. الكمية كلها تُباع وهناك إقبال".

نغم صبّاح، هي شابة تمتلك متجرًا للخياطة في مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، وتعمل في مجال الخياطة منذ عام 2018م، عملت مؤخرًا في حياكة الأكياس التي يجلبها الناس بهدف صنع الخيام والمعرشات.

تقول: "امتهنت الخياطة بعد تخرجي من تخصص المحاسبة، عملي الأساسي حياكة الملابس بجميع أشكالها منذ عام 2018م، لكن الناس بدأوا يقصدون متجري لحياكة أكياس البضائع من أجل صنع خيام، أو ملحقات للخيام".

"الناس بدأوا يقصدون متجري لحياكة أكياس البضائع من أجل صنع خيام، أو ملحقات للخيام".

وتجزم الشابة أن الناس غالبًا يصنعون جزءًا من الخيمة من الشوادر العادية، بينما سقف الخيمة والمعرش المصاحب لها يكون من هذه الأكياس، كونها ستوفّر على الأقل نصف المبلغ المطلوب، وهذا يصنع فرقًا بالنسبة لمحدودي الدخل.