غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
"مفقودٌ منذ 6 أشهر. لم يره أحد ولا نعرف عنه شيئًا" تقول الشابة زينب البِل (29 عامًا) لـ"نوى" وهي تبكي.
تبحث زينب عن زوجها شادي، منذ نحو نصف عام، في الشوارع، والأزقة، وحتى بين الجثث! تطير إلى مشرحة المستشفى كلما وصل إليها شهيد، وتنظر إلى وجهه. تتفقده "كان لابس بلوزة زرقاء، وبنطلون كابوي" تحكي بحرقة، وهو ذات الوصف الذي أعطته للصليب الأحمر، الذي لم يقدم لها أي خبر عنه حتى اللحظة.
تحتضن الشابة أطفالها الثلاثة آية (10 سنوات)، وأمجد (8 سنوات)، وعبيدة (5 سنوات)، وهي تجلس في خيمة متواضعة من القماش المهترئ والنايلون، في مخيمٍ للنازحين بمنطقة البركة غربي مدينة دير البلح جنوبي قطاع غزة.
"عايشين من قلة الموت. الخيمة لا بتحمي من حر الصيف ولا من برد الشتاء. حياتي صارت صعبة كتير بالذات بعد ما انفقد شادي".
تشير إلى الفتحات التي صنعتها الرياح، والحيوانات الضالة في قماش الخيمة، وتضيف: "عايشين من قلة الموت. لا بتحمي من حر الصيف ولا من برد الشتاء. حياتي صارت صعبة كتير بالذات بعد ما انفقد شادي".
تحاول زينب (المتزوجة منذ 10 سنوات) توفير احتياجات أبنائها، وما يعينهم على العيش داخل الخيمة بصعوبة، وفي الوقت ذاته، تقضي معظم وقتها في البحث عن شادي.
تخبرنا: "حين طالب الاحتلال الإسرائيلي أهالي شمال قطاع غزة بالنزوح إلى الجنوب نزحت مع عائلتي وأطفالي الثلاثة إلى المغازي، وهناك تعرضت المدرسة التي كانت تؤينا للقصف، فأصيبت شقيقتي وبقيتُ معها في المستشفى لأسبوعين بسبب خطورة حالتها، لاحقًا نزحنا إلى الكلية الجامعية في خانيونس، التي تعرضت للقصف أيضًا، ثم نزحتُ إلى خيمةٍ في رفح، ثم إلى هذه الخيمة في دير البلح".
وتناضل زينب انتقالًا بأطفالها الثلاثة، حيث كان زوجها انتقل من بيته في مدينة خانيونس إلى بيت عائلته في المغازي، وفي منتصف "ديسمبر"، وأثناء اجتياح الاحتلال الإسرائيلي لخانيونس عاد شادي بمفرده إلى هناك دون وعي منه بخطورة الوضع هناك.
تواصل زينب حديثها: "هاتفتني أمه تسألني عنه، وأخبرتها أنني لم أره مطلقًا، واختفت أخباره منذ ذلك الحين، تواصلتُ أنا وهي مع الصليب الأحمر علّه يتمكن من الوصول إلى أي معلومة، ولكن دون جدوى، شادي اختفت أخباره تمامًا".
لا يتوقف أطفال زينب الثلاثة عن السؤال عن والدهم. هم يعرفون تمامًا أن أخباره اختفت، لكنهم يريدون خبرًا يريحهم.
تشير زينب إلى طفلها عبيدة، وتحكي "إنه يصرخ برعب كلما سمع صوت طائرة، فلا طاقة للصغار على تحمّل آلام الحرب"، بينما لا يتوقف أطفالها الثلاثة عن السؤال عن والدهم. هم يعرفون تمامًا أن أخباره اختفت، لكنهم يريدون خبرًا يريحهم، يبكون كلما حضرت جدّتهم، فتنهار هي الأخرى وجعًا على ابنها الذي لا تعرف عن حاله شيئًا.
بحزنٍ تنظر إلى طفلها عبيدة الذي "لم يهنأ أبدًا بوالده الذي تعرّض لمرضٍ نفسي دون أن يتلقى العلاج المناسب بسبب الفقر، فساءت حالته".
كان من حق الصغار -والحديث لزينب- أن يعيشوا حياة عادية مع والدهم، ولكن بعد الفقر الذي عاشه، والإهمال العلاجي، ها هي مضطرة للقيام بدورٍ مزدوج، تحت النار!
تزيد: "منذ الصباح أقف في طوابير المياه والخبز، أنا لا أعمل، وأعتمد في إطعام صغاري على ما تقدمه تكيات المخيم أو المعلبات التي توفرها المساعدات، ما دون ذلك لا شيء حتى الثياب يفتقدها أطفالي".
ترتفع درجة الحرارة داخل الخيمة المصنوعة من قطع القماش المهترئ، ولا تجد زينب سوى بعض الصواني البلاستيكية لاستخدامها كمراوح يدوية، من أجل تخفيف حرارة الصيف اللاهبة.
"أنا لا أعمل، وأعتمد في إطعام صغاري على ما تقدمه تكيات المخيم أو المعلبات التي توفرها المساعدات، ما دون ذلك لا شيء حتى الثياب يفتقدها أطفالي".
تشير إلى الخيمة بقولها: "حصلتُ على قماش من مسؤولي المخيم، وحضر شقيق زوجي ساعدني في تثبيت الخشب وتجهيز جزء من الخيمة، وأنا أكملتُ الباقي بنفسي. أقوم هنا بكل الأدوار، وفوق ذلك أتولى مسؤولة شقيقاتي الثلاث بعد استشهاد أمي في قصف مدرسة المغازي".
تعود زينب للحديث عن زوجها المفقود: "هو والد أطفالي ومهما حدث فهو زوجي. أبحث عنه بشكل مستمر، كلما وصلت جثامين شهداء أذهب أنا وأمه لمشاهدتها حتى لو كانت متحللة، أنظر على الأقل إلى الملابس التي يرتدونها، إذ ربما نصل إلى خبرٍ أو معلومة".
تناشد زينب اللجنة الدولية للصليب الأحمر ببذل المزيد من الجهود من أجل معرفة مصير زوجها وباقي المفقودين، فالقضية لم تعد تخصّ شادي وحده، بل هناك عدد كبير من الناس أصبحوا مجهولي المصير، في ظل حرب الإبادة هذه، التي شملت الاعتقال والتهجير والقصف والقتل المتعمد لكل هدفٍ متحرك.
