غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
"قصفٌ جنونيٌ من كل حدبٍ وصوب، ثم طلقة مباشرة من بندقيّة جندي أغرقتني بدمي"، قالتها زينب، وبكت، ثم تساءلت: "كيف ننسى؟ ندوب هذه المجزرة لن تمحى من ذاكرتنا وأجسادنا للأبد".
في الثامن من يونيو/ حزيران الجاري، صُعق العالم بمشاهدٍ قاسية بثتها شاشات التلفزة، ووسائل التواصل الاجتماعي من مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، لعمليةٍ قال جيش الاحتلال الإسرائيلي، إنها شُنت لتحرير أربعة أسرى إسرائيليين، أفادت معلومات استخباراتية بوجودهم هناك.
ما زالت أذنا زينب تسمعان أزيز الرصاص العشوائي الذي كانت تطلقه طائرات الكواد كابتر في سماء المكان.. صوب كل ما يتحرك، ونحو أي صوت.
ما زالت أذنا زينب تسمعان أزيز الرصاص العشوائي الذي كانت تطلقه طائرات الكواد كابتر في سماء المكان.. صوب كل ما يتحرك، ونحو أي صوت، حتى اللحظة. تخبرنا: "كنت حينها في البيت، وكان أبي في عند الباب يملأ جالون ماء، فلما خرجتُ لتفقّده، وجدته على الأرض غارقًا بدمه".
بلباسٍ عسكري، وعصبةٍ على الأعين، فوجئت زينب بالقوات الخاصة تدخل الشارع، وتباغت كل الموجودين فيه برصاصٍ غزيز. تقول: "أصابت الرصاصة فخذي وخرجَت من ساقي الأخرى، ثم اقتحموا بيتنا وأطلقوا النار على كل من يتواجد فيه".
تردف: "استشهد أبي وأمي وثلاثة آخرين من أفراد عائلتي، ومن بقي حيًا اختبأ تحت السرير، وفي الحمام، وفي الزوايا الضيقة، لكن شظايا القصف طالتهم أيضًا، وأصيبوا بجراحٍ مختلفة".
بأعجوبةٍ ومعجزةٍ ربانية نجت زينب من بين أيديهم، تقول: "ظنَّ الجنود أنني مت، وإلا كانوا سيطلقون المزيد من النار على جسدي كما فعلوا بأمي التي أطلقوا النار عليها وهي جالسة في البيت".
وتتابع: "جاء أخي يهرع إلى البيت، وجدني عند الباب، وأغلب ظنه أنني استشهدت فمشى عني، لكنني أمسكت بقدمه، وأومأت له أنني على قيد الحياة".
لحظاتٌ عصيبة عاشتها زينب تحت الموت حتى لحظة خروجها من البيت، تصف ذلك بالقول: "ضبابٌ كثيف، وجثث الشهداء ملقاة على الأرض، وجميع البيوت دُمرت.. أهوال ذلك اليوم تشبه ما نقرأه عن أهوال القيامة".
وعلى عربةٍ يجرها حمار نقلها أخوها إلى مستشفى شهداء الأقصى بدير البلح وسط القطاع، لكن لم تستطع المستشفى استيعاب أكثر من 300 مصاب، وهذا دفع لتحويل عدد منهم إلى المستشفى الأوروبي جنوبًا، ومن بينهم زينب، لتلقي العلاج، حيث تمكث فيه حتى اللحظة.
أريج دامو(34 عامًا)، هي الأخرى، شهدت رعب المجزرة. "خرجتُ من تحت ركام بيتي بعدما قصفته طائرات الاحتلال على من فيه. استُشهِد ابني وابنتي، وأصيب باقي أفراد الأسرة بجراحٍ متفاوتة" تقول.
في ذلك اليوم كانت الشابة تحادث أمها عبر الهاتف، حينما باغت بيتها صاروخٌ أرعن، تقول: "وجدتُ نفسي في الشارع فجأة، ومن حولي أفراد عائلتي بين شهيدٍ وجريح. تجمهر الجيران لانتشال الشهداء، وإنقاذ الجرحى، لكن الطائرات قصفت المكان مرةً أخرى، فوقع عدد أكبر من الشهداء، وكلهم من المدنيين الآمنين".
في نفس اللحظة، لم تكن تعلم أريج أن الصواريخ طالت بيت عائلتها، فاستشهدت أمها وأختها! تكمل: "عرفتُ بعد أربعة أيام باستشهاد ابني وابنتي، وبعدها بيومين أخبرني أخي باستشهاد أمي وأختي"، تصف تلك اللحظة: "حتى الآن أعيش في صدمة لم أُفِق منها بعد. الوجع فاق قدرتي على التحمل".
على سرير المستشفى الأوروبي في خان يونس، جنوبي القطاع، تعاني أريج من حروق في الوجه والعين، وكسور في العظم تحت العين، ناهيكم عن شظايا في جميع أنحاء جسدها.
تعلق: "أحتاج لعلاجٍ تجميلي، ولمتابعة طبية عاجلة في ظل انقطاع الأدوية وإغلاق معبر رفح وحرمان الكثير من الجرحى مثلي من العلاج"، في حين تشعر السيدة بالقهر على طفلتها مزيونة، التي تقبع في مستشفى ناصر حتى اليوم، وتعاني من حروقٍ بنسبة 15%، وتهشم في الفك السفلي، وانفصال في شبكية العين، وجراحٍ في باقي أنحاء الجسد.
وتروي علا أبو السبح تلك الذكرى، بصوتٍ يرتجف حسرة: "ناديت عليه أكتر من مرة وما رد. ابني حبيبي، الذي نجا من الموت أول مرة، وسمعت صوته بأذني يطمئنني أنه بخير، عاد واستشهد".
تقول: "قصفوا بيت جيراننا، وأولادي كانوا يبيعون الحطب أمام بابه. صرت أنادي: ناصر، حمّود، فأجابوني، وقالوا نحن بخير، لا تخافي، ثم ذهبوا ليجمعوا الحطب من جديد".
وتزيد: "طلب ابني ناصر منا أن نترك البيت لأنه من الأسبست، ومضى. دقائق وحدث انفجارٌ ثانٍ، فخرجتُ أصرخ وأنادي ناصر، لكنه لم يرد".
هرعت أبو السبح من بيتها تحت القذائف ونيران القصف، ورصاص طائرات الـ"كواد كابتر"، نحو بيت الجيران، ظنًا منها أنه سيكون أكثر أمانًا كونه من الباطون، وحتى تلك المسافة القصيرة رأت فيها الأهوال: "كان الشارع مليئًا بالشهداء والمصابين، ومعظمهم أعضاؤهم مبتورة. لم أجد ابني بينهم".
تردف: "أخبرني أصدقاءه أنه أصيب في رقبته وكان غارقًا بالدماء، ومشى رغم إصابته حتى وصل إلى بيت عمه وأغمي عليه".
نُقل ابنها إلى مستشفى شهداء الأقصى وهناك استشهد على الفور، عرفت أمه الخبر بمحض الصدفة أثناء تواجدها ببيت الجيران، ومن خلال قراءة الجارة لأسماء الشهداء أمامها. دموعٌ خنقت صوتها وهي تقول: "والله ابني كتير حنون، مش قادرة أصدق أنه راح".
ووفقًا لإحصائيات الصحة، فقد راح ضحية مجزرة النصيرات 200 شهيد، وأكثر من 600 مصاب.
