"رفعوا عنها جهاز الأكسجين.. استُشهدت أمي مختنقة"!
تاريخ النشر : 2024-06-24 18:21

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

تمرر الطفلة رنا أبو شلوف (14 عامًا) يدها اليمنى على منطقة الإصابة في ذارعها اليسرى. تغلق عينيها بشدّة في محاولةٍ للتغلب على الألم، بينما تكتم في عينها دمعة اقتحمت حديثها عن أمها، التي ارتقت شهيدةً مطلع العام الجاري.

تجول الطفلة بناظريها في سقف الخيمة المصنوع من شادرٍ أخضر اللون، التي نصبتها عائلتها في منطقة البركة غربي مدينة دير البلح، وسط قطاع غزة، وتقول: "9 أشهر من المعاناة. لا أدري إلى متى سنبقى أسرى لكل هذا القهر".

كانت رنا تعيش مع عائلتها في منطقة المغراقة جنوبي مدينة غزة، في بيت مكون من ثلاثة طوابق، برفقة أمها وأخوتها. كان بيتهم جميل جدًا، وبسيطٌ وهادئٌ وفق ما تصفه، "ويكفي أن أمي كانت تعيش معنا فيه وتملؤه دفئًا وحبًا وحنانًا" تضيف.

لدى رنا ثمانية إخوة (بينهم أختان وأخ لكل منهم عائلة، بالإضافة إلى أختها الأصغر منها ريماس وأخوها مصعب ذو الخمسة أعوام)، وقد اضطرت للنزوح معهم إلى مدرسة في مخيم المغازي بعد إجبار جيش الاحتلال سكّان شمالي قطاع غزة، على النزوح إلى الجنوب يوم 13 من أكتوبر 2023م، بعد أسبوعٍ من اندلاع الحرب.

تكمل رنا: "لم يُحذروا منطقة المغراقة، بل بدأ القصف مباشرةً فيها، وهربنا من البيت الذي تعرض للقصف دون أن نحمل معنا شيئًا يُذكر. في مركز الإيواء عانينا ظروفًا صعبة نتيجة الازدحام ونقص المياه والفراش والغذاء، والأقسى حين تعرّض المركز للقصف أيضًا، واستشهد فيه نحو 100 كانوا في الساحة، وأصبت أنا ونقلوني لمستشفى شهداء الأقصى في حالة إغماء".

استيقظت رنا في المستشفى على وقع آلامٍ مُبرحة في ذراعها التي تنزف. كانت تصرخ بشدة وسط مئات المصابين الذين عجزت المستشفى عن التعامل معهم جميعًا، ثم أجريت لها عملية جراحية، وتم تركيب بلاتين في ذارعها.

تواصل: "حالتي كانت صعبة، والعلاج غير متوفر بشكل كامل، فبقيت أنا في المستشفى وعادت عائلتي لفترة إلى بيتنا في المغراقة. كل هذا، وأمي لم تكن تعرف بإصابتي كونها مريضة، وتعاني عدم القدرة على التنفس، وكانت قد انتقلت إلى مستشفى ناصر في خانيونس جنوبًا، حيث تم وضعها على جهاز التنفس الصناعي".

بعد إجرائها العملية، انتقلت رنا إلى خيمة عائلتها في منطقة مواصي رفح جنوبي قطاع غزة، ومن ثم إلى خيمة صغيرة في مخيمٍ للنازحين بمنطقة البركة غربي مدينة دير البلح، لا تتسع لأفراد العائلة البالغ عددهم 19 فردًا.

تواصل رنا: "خلال عملية جيش الاحتلال في خانيونس، واقتحام الجنود مستشفى ناصر، رفعوا عن والدتي جهاز التنفس الصناعي واستشهدت مختنقة، لم أرها ولم أودعها لا أنا ولا غيري من أفراد العائلة، بل تم دفنها مع نحو أربعين شهيدًا من عائلة أبو جزر، قضوا في نفس اليوم".

آلام الفقد فاقت بالنسبة لرنا آلام ذارعها وجسدها الذي تنغرس في لحمه أسياخ من البلاتين، لكنها تابعت العلاج الطبيعي وهي تحمل وجعها في قلبها، "إذ لا شيء يعزي قلبًا فقد أمه" تزيد.

كان عليها أن تتحامل على آلامها كي تساعد عمتها في رعاية شقيقيها الأصغر منها ريماس (11 عامًا) ومصعب (5 أعوام).

"رفعوا عن والدتي جهاز التنفس الصناعي واستشهدت مختنقة، لم أرها ولم أودعها لا أنا ولا غيري من أفراد العائلة".

كان اسم أمها ميسون، وعمرها 47 عامًا كما تروي لـ"نوى". حلمت مثل كل أم أن ترى أبناءها درسوا وتخرجوا من الجامعة، وكانت تهتم كثيرًا بابنتها صباح التي كانت في المرحلة الثانوية العامة، ولطالما حلمت أن تراها في الجامعة وقد التحقت بالكلية التي تحب.

تكمل رنا: "كانت أمي تحب الريحان وتزرعه على سطح منزلنا إلى جانب الجرجير وبعض الورود. أحببنا جميعًا ما أحبت أمي وأتذكرها كلما رأيت وردة".

تسقط الدموع من عيون رنا بينما تواصل حديثها: "أفتقد أمي في كل لحظة، ظروف الحرب صعبة والمعيشة في الخيام قاسية، لا يتوفر الغذاء بشكل جيد فكل ما هو متوفر طعام التكيات. أقف أحيانًا على طابور المياه منذ الصباح، وتقريبًا هذا الشيء الوحيد الذي أبذل فيه جهدًا، ولكن أشعر أن حياتنا قاسية وصعبة".

تحاول رنا أنا تتعايش مع واقعها الصعب، بينما تعد أمها وهي تنظر إلى السماء أن تحقق لها ما تمنّت، لكنها ما زالت تناشد من أجل إكمال علاجها خارج قطاع غزة، "فأنا بحاجة لعلاج طبيعي مكثف من أجل تعديل يدي، بالإضافة لإجراء عملية تجميل لآثار البلاتين التي شوّهت ذراعي" تختم.