هذا صوتٌ لـ"ذوي الإعاقة".. من تحت النار
تاريخ النشر : 2024-06-22 20:46

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

وسط المنزل الذي لجأت إليه بعد أكثر من تسع مراتٍ من النزوح، تجلس نجاة عبد العال على سريرها جلسةً تتناسب مع إعاقتها الحركية؛ لتبكي حالها، وتروي حكاية نجاتها وفقدانها (9) من أفراد عائلتها، وبينهم أربعة من ذوي الإعاقة الحركية.

مجزرةٌ مروّعة ارتكبها الاحتلال باستهداف منزل عائلتها خلال العدوان المستمر على قطاع غزة، منذ السابع من أكتوبر الماضي، بعدما أجبرهم على النزوح والإخلاء مرارًا دون الالتفات لظروفهم الإنسانية.

طوال فترة العدوان، عايشت نجاة (50 عامًا)، معاناةً مضاعفة، بسبب إعاقتها الناتجة عن ضمور العضلات، الذي يرافقها منذ الطفولة، وتتقاسم ألمه الوراثي مع شقيقها محمد (57عامًا)، وثلاثةٍ من أبنائه، بالإضافة لأختها الراحلة نجوى، حيث اضطرت للنزوح مرات عديدة من منزلها بلا كرسيها الكهربائي، كما أُجبرت على الجلوس على مقاعد مُتعِبة وسط ممرات مراكز النزوح.

"امتنعتُ عن تناول الطعام والشراب طوال فترة تنقلي بين مراكز اللجوء، حتى لا أضطر لدخول الحمام كثيرًا. الحمام قصته قصة"

تقول لـ"نوى": "امتنعتُ عن تناول الطعام والشراب طوال فترة تنقلي بين مراكز اللجوء، حتى لا أضطر لدخول الحمام كثيرًا. الحمام قصته قصة، ويكفي طابوره الطويل، وانعدام الماء فيه".

هاجس الخوف من السقوط أو التعثر، أو استهداف منشأةٍ تمر بقربها، أو حتى تجاوز المفترقات التي تحتاج لسرعةٍ في المشي أو الهرولة، كان يلاحق نجاة حتى في مناماتها، فهي إن سقطت لن تستطيع الوقوف بسهولة لأن عضلاتها متيبسة، وإذا أصابها التوتر تتشنج أطرافها، وإذا شعرت بالخوف أو ارتجفت تبدأ أقدامها بوخزها كما لو أن أسفل منها مسامير.

تخبرنا: "لم أتمكن منذ أشهر طويلة من استخدام كرسي الكهربائي المتحرك. ليس عندنا كهرباء نشحن بطاريته بها، وحتى لو تمكنت من شحنه، سيكون من الصعب التنقل به في الشوارع المدمرة. شعورٌ بالعجز يرافقني على الدوام، لا سيما بعدما فقدت مقعدي المتحرك".

إن أي انتقالٍ بالنسبة لنجاة، يعني أن تتحول لطفلٍ يتدرب على المشي، "يعني لازم أستند على شخص وعكاز واحد، وأنا كان عندي عكازي هذا وابن أخي (19 عامًا)، وقد فقدته، وفقدت معه عائلتي" تضيف.

ولم يفارق نجاة عكازها الذي نجا معها طوال رحلات النزوح، وقد استلفته من إحدى صديقاتها قبيل العدوان، في حين تخبرنا عن صعوبة الحصول على الأدوات والوسائل المساعدة لذوي/ات الإعاقة الحركية، مشددةً على حاجتها الملحة لمقعد متحرك يعينها على الحركة والتنقل في حالات الطوارئ، لا سيما في ظل انعدام توفرها إلى جانب العكاكيز في مناطق شمال القطاع.

وتزيد: "احتياجاتي الخاصة لا تسمح إلا إن أكون في بيت، وعندما تعبت أعصابي من النزوح، عدت لبيتنا رغم أن منطقتنا تحولت لمدينة أشباح"، مشيرةً إلى أن شقيقها محمد الذي شاركها متاعب الإعاقة، كان أكثر المتضررين في العائلة بحكم انعدام قدرته على الحركة بشكل تام، عدا عن كبر سنه.

وحول مرض ضمور العضلات تقول نجاة: "مرضنا له مستويات لكن ما له علاج، وتظهر أعراضه في سنٍ صغيرة رغم أنه يولد مع الشخص، وبعمر 12 سنة، يصيبه تيبُس في العضلات وانتفاخ وثقل في الحركة بسبب التفاف الشرايين على العضلات على شكل تجمعات في الأطراف".

ونوهت نجاه إلى معاناتها من داء السكر بالإضافة لإعاقتها الحركية، موضحةً أنها افتقدت لعدد من العلاجات التي تحتاجها، الأمر الذي انعكس سلبًا على صحتها، عدا عن سوء الطعام المتوفر ومحدوديته التي لا تخدم حاجتها الصحية الملحة إليه، كما بيّنَت أنها تعاني من آلامٍ في العيون بفعل نقص السكر وضغط التفكير، المصحوب بنوبات الصداع وغباش في الرؤية واضطراب أشد في الحركة.

لقد نجت نجاة بأعجوبة في صباح العاشر من مايو/ أيار الماضي، حين كانت على موعدٍ مع حياةٍ جديدة بعدما استهدف الاحتلال منزلها غير مكترثٍ لوجود 5 من ذوي الإعاقة الحركية. في ذلك تقول: "الله نجاني بالخزانة اللي كانت جنبي؛ لأنها حجبت عني ركام جدار غرفتي المنهار، وعزلتني في أشبه بخيمة يحيطها الركام من كل جانب".

وأضافت: "أسقف المنزل المكون من 3 طوابق أطبقت على بعضها، الصوت بعد القصف كان فظيعًا، غير صوت القصف كان صوت الصراخ فظيعًا"، موضحةً أنها سقطت أرضًا كما أُصيبت بالتشنج والأذى أثناء محاولتها التحرك من مكانها.

وقبل أسبوعين من استهداف المنزل، استلمت العائلة تهديًدا بضرورة الإخلاء بصورة غريبة، قائلةً: "كنا بدنا نفطر ورن على أخي رقم وطلب منه إخلاء البيت خلال ربع ساعة".

هذا الوقت التاح، حسب الاتصال، ما كان ليساعد نجاة حتى على الوصول إلى عتبة البيت! بالكاد تمكنت العائلة من إخلاء ابنها من ذوي الإعاقة، وابنائه الثلاثة مثله، وحينها لم يُقصف البيت لأسبوعين بعد التهديد، وهذا ما دفع بالعائلة للعودة إليه، ظنًا منهم بأن المتصل كان غير جاد.

تعقب: "نحن من ذوي الإعاقة. ووضعنا معروف في المنطقة، لا نعرف لماذا قصف بيتنا؟!"، مضيفةً: "خارج بيتي انمحت أمنياتي، الآن أجلس في بيتٍ بالطابق الثالث. صعدتُ نحوه بصعوبة، ولا أستطيع الخروج أو النزول منه، على عكس بيتي الأرضي، الذي كنت أخرج وأرى العالم واسعًا جدًا بعد عتبة بابه".

وعن المجاعة، تحدثت نجاة عن تناولها لوجبةٍ واحدة في اليوم من الحشائش المتوفرة، التي تسببت بإعيائها، قائلةً: "الله رحمنا بالخبيزة، وكيلو طحين، لما كنّا نستطيع شراءه نقسمه رغيفًا رغيفًا لأكثر من 9 أشخاص بالتساوي".

وتستذكر أيام ما قبل الحرب بقولها: "رغم حالتي وإعاقتي كنت عايشة برفاهية، لكن الحرب جعلتني متقوقعة ودهورت صحتي وحركتي". كانت نجاة ترافق دائمًا أبناء أخوتها في الرحلات الترفيهية الشهرية، وكانت معظم الأماكن موائمة لذوي وذوات الإعاقة، كما أنها عملت فترةً ليست بالقصيرة في مجال التطريز ضمن أنشطه الاندماج في جمعيه المعاقين، وهذا جعلها تشعر اليوم بشعورٍ كانت تحاول دائمًا أن تكون أقوى منه "شعور العجز".

"العالم الذي يتغنى بحقوق الإنسان، حملنا فوق طاقتنا بأننا تأملنا به خيرًا. ها أنا ذا وحيدةً هنا أعاني بدون كرسيَّ المتحرك، أُعان ولا أعين كما كنت قبل الحرب".

توجه نجاة رسالتها باسم كل ذوي وذوات الإعاقة في فلسطين، توجهها للعالم الذي تراه أصمًا أبكمًا عن ما يحدث في غزة والضفة الغربية. "ذلك العالم الذي يتغنى بحقوق الإنسان، حملنا فوق طاقتنا بأننا تأملنا به خيرًا. ها أنا ذا وحيدةً هنا أعاني بدون كرسي المتحرك، أُعان ولا أعين كما كنت قبل الحرب. ها أنا هنا أنتظر موتي، عاجزة عن تقديم شيء أو فعل شيء، أو حتى إيصال صوتي لأحد. نحن الآن لا نتمنى سوى أن تتوقف الحرب".