غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
"استودعيها الله، بنتك بتموت"، هذا ما قاله الطبيب في مستشفى شهداء الأقصى بمدينة دير البلح وسط قطاع غزة، لوالدة الطفلة سديل حمدان (10 شهور). للوهلة الأولى ظنّت أنها أصيبت بالصمم، ولم تسمع ما قال، لكنها بعدما كرر العبارة، أيقنت أنها على حافة "الفقد" تقف، تعانقها دموع قلبها وحسب.
خمسة أشهرٍ من عمر الطفلة التي لم تكمل العام، قضتها الأم بين أروقة المستشفيات، تسأل عن أي أملٍ -ولو تحت ركام الحرب- يمكن أن ينقذ ابنتها التي تعاني من تضخم الكبد والطحال، وانغلاق القنوات المرارية، وانتفاخ البطن بشكلٍ غير طبيعي.
تقول الأم بقهر: "وُلدت سديل قبل الحرب بشهر. وعندما بلغت من العمر ستة أشهر، انتفخ بطنها، وبدأ الانتفاخ يزداد يومًا بعد يوم. ظننتُه في البداية غازات، لكن بعد مراجعة الطبيب عرفت أنه تضخم وتلف في الكبد".
تضيف: "أربعة أشهر والأطباء يسحبون المياه من بطنها بشكل يومي، بعدما كانوا يسحبونها في البداية كل شهر مرة، ثم كل أسبوعين مرة، ناهيك عن حدوث نزيفٍ دائمٍ في أنفها، وفي البراز".
على سرير المستشفى، وأمام عيون المرضى والمرافقين لهم، تُجرى لسديل عمليات سحب المياه التي تؤثر عليها سلبًا رغم أنها تخفف من انتفاخ البطن، تعقب أمها: "صار الآن يخرج من المياه قطع بيضاء، الأمر الذي يدل على دخول بكتيريا إلى الجسم، وإصابته بالالتهابات".
كان من المفترض أن تسافر الصغيرة سديل إلى الخارج لتلقي العلاج قبل ثلاثة أشهر، وبقيت تنتظر دورها الذي كان من المفترض أن يصلها يوم أربعاء، ليسبقه الاحتلال باقتحام معبر رفح الثلاثاء السابع من مايو/ أيار الماضي.
وتزيد السيدة بأسى: "بكيت كثيرًا، كان لدي حلم أن تسافر وتتعافى، الآن وضعها الصحي يتدهور بشكل كبير، ولا أدوية بالمستشفى متوفرة لعلاجها"، مردفةً وهي تبكي: "تحتاج سديل لعملية زراعة كبد عاجلة، لكن كلما تأخرنا ستكون فرصة فقداني لطفلتي أكبر. إنها تموت ببطء أمام عيني ولا أستطيع أن أفعل لها شيئًا (..) حتى تركيب الكانيولا بالنسبة لها معاناة".
أكثر من عشرين "كانيولا" يركبها الأطباء بيد الطفلة حمدان حتى تنجح، وفي كل مرة يفشلون من كثرة الإبر التي غرزت بها. تخبرنا أمها: "وريدها ضعيف جدًا ولا يحتمل كل تلك الإبر. والله إن كل وخزة إبرة وكأنها تُوخز في قلبي أنا".
وعن أصعب المواقف التي عاشتها والدة الطفلة سديل برفقة ابنتها، تقول: "حين أجرى لها الأطباء عملية السحب، انتفخ بطنها بشكل جنوني، وجميع أعضائها التناسلية أيضًا! حملتُها وركضت بها إلى غرفة التمريض، ولحقت بي الطبيبة وأجرت لها عملية سحب"، مستدركةً: "للحظة توقعت أنني فقدتها للأبد".
لا تعرف الطفلة سديل طعمًا للنوم، وفي كل وضعياتها تستمر بالبكاء من شدة الألم، تشرح أمها بالقول: "حين أضعها لتنام على السرير، تضغط المياه على أنفاسها فتختنق، وإذا نامت على بطنها ظهرها يؤلمها، فأضطر لوضعها في كرسي أطفال للنوم، وهذا أيضًا غير مريح، لكنه أفضل الحلول".
تعاني سديل أيضًا من سوء التغذية في ظل ارتفاع ثمن الخضراوات والفواكه في الأسواق، بسبب الحصار الإسرائيلي، وإغلاق المعابر، فيما تحاول أمها إرضاعها بشكلٍ طبيعي وصناعي أيضًا لتعويض العناصر الغذائية اللازمة لها.
"وفاة أي مريضٍ في غزة لعدم قدرته على السفر، هي وصمة عار على جبين الإنسانية".
تزيد أمها: "تحتاج ابنتي لمكملات غذائية كالفواكه المطحونة والسريلاك، لكن كل ذلك غير متوفر، وإن توفر فثمنه مرتفع جدًا، ولا أستطيع شراءه، مما تسبب في ضعف دمها وانخفاضه لـ7".
تطالب والدة الطفلة سديل بتوقف الحرب أولًا، ومساعدة كافة المرضى ومن بينهم ابنتها سديل على السفر لاستكمال علاجهم في الخارج، وإنقاذ حياتهم، معبرةً بالقول: "وفاة أي مريضٍ في غزة لعدم قدرته على السفر وصمة عار على جبين الإنسانية".
