غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
في مدرسةٍ من مدارس الإيواء، قال لي طفلٌ وسيمٌ ذكيٌ اسمه كريم: "لو أنك دخلتي قلبي لتشوفي شو فيه".
في ممشى مدمّى، أطلق عليه الاحتلال اسم "الممر الآمن"، تقافز كريم وغيره من الأطفال -رغمًا عنهم- عن الجثث والأشلاء، ومن فوقهم طائرات "كواد كابتر" تطلق الرصاص في كل اتجاه! بينما ضجيج الدبابات والمدافع، تحشر الروح في زاوية الموت.
جثثٌ في كل مكان، عليك أن تتخطاها مشيًا أو هرولة.. كالقيامة أيامنا، نحنُ أفواج النازحين الهاربين من الموت إلى الموت، وما بينهما خيط حياة!
أخبره والده حين وصلوا أن الجثث التي رأوها ليست سوى دمى ملقاة في الطريق، لكن "كريم" يدرك أنها "جثث" كانت لأحياءٍ انتُزعت أرواحهم، وليست "مانيكانات" كما قال أبوه. الجثث ملقاة بالطريق التي مروا بها مهرولين خوفًا من قصف الطائرات للبيوت على الجانبين، مجبرين على أن لا يلتفتوا خلفهم حتى لو سقط أحدهم! عليهم أن يواصلوا المشي جماعات وأفرادًا، في مشهدٍ شبّهه بعضهم بـ"أهوال يوم القيامة".
تقول جيهان (أم كريم): "نمشي والبيوت تُدك خلفنا أو أمامنا، كل شيء يشي بالموت المحلق حولنا، كنتُ خائفةً جدًا على زوجي وأطفالي، ولم نعرف ما حدث خلفنا في منطقة الصفطاوي، ولا ما حدث في كل مكان نزحنا إليه، ثم تركناه هربًا من القصف والموت والتدمير".
العائلات برجالها ونسائها وشيوخها وأطفالها، كلها عبرت من فوهةٍ إلى بوابة الخوف والتمزق النفسي. المنطقة الأكثر خطورة في حشر الأجساد "الحلابات"، حيث هناك، يعتقلون من يريدون اعتقاله، ويقنصون من أرادوا أن يكسروا قلب أمه.
تتابع أم كريم: "لا يمكن أن أنسى كلمات كريم وصوته وعيونه، والرعب الذي عايشه. ما زالت صورة الدبابة وصوتها المخيف في رأسه الصغير، حتى أن أي طرقٍ على الباب يُجزعه! يفضل الجلوس في حضني، ولا يشارك الأطفال اللعب"، متسائلةً: "هل نجونا فعلًا عندما نزحنا؟ ... لا أظن".
بعد أن طلب جيش الاحتلال إخلاء حي الجنينة، ومنطقة دوار العودة، والشابورة برفح، صار لزامًا على كريم أن يتجهّز لنزوحٍ جديد، إلى حيث لا أحد يدري.. إلى النجاة التي لا يضمنها له أحدٌ أو مكان!
وفق رأي مارتا باسيريني، المستشارة الفتية لحماية الأطفال في هيئة إنقاذ الطفولة (Save the Children ) في لبنان، فإن الضيق النفسي صار حالةً شاملة، "وما تقدمه مؤسسات الدعم النفسي من إسعافات نفسية أولية لتعزيز صمود الفئات الهشة في الحروب، لا سيما النساء والأطفال، لا تشكل 1% من الاحتياجات الحقيقية لعائلاتٍ عاشت "عقابًا جماعيًا" صبته الآلة العسكرية الإسرائيلية على شعبٍ أعزل، يسعى فقط للحياة والحب ولقوت يومه".
الحرب شوهت كل شيء، حتى وجوه الناس أصبحت شاحبةً باهتة، ومختلفة! كأنها صُنعت في الحرب، مشابهةً لنتاجها العنيف. كل أفكار الأطفال تتمحور حول العودة لبيوتهم وألعابهم، ولو كانت مدمرة! "هي ندوبٌ لن تُشفى أبدًا مهما امتدّ العمر وطال.
التفاصيل هي كل شيء، البيوتُ المهدّمة، والمباني الناقصة طابقًا أو طابقين، والشارع المُغلق بفعل الركام، والغبار المتكوم في البيوت الباقية كجثة. أسلاكُ الكهرباء المقطوعة بفعل القصف، التي حولها طفلٌ لأرجوحة، وفتحةٌ في جدار بيت الجيران، وسيارةٌ محترقة بفعل قصف بيت من البيوت المجاورة. مبانٍ كاملةٍ اختفت من الشارع، وبيوتٌ تحت التهديد في كل لحظة. وكل ما تقع عليه عينك من أواني لملء الماء وقت مجيئها قبل أن تنقطع. طوابير الخبز، والمخابز المغلقة!
على سيرة الخبز، نذكرُ "رغدة"، الممرضة النازحة في مركز الإيواء، إذ قالت: "في الليلة التي وجدوا فيها الجنود في رفح، كنت وأختي الصغيرة نمشي في الساعة الثانية صباحًا نحو المخبز لشراء الخبز. فوجئنا بالمروحيات والطائرات الحربية وطائرات الاستطلاع، وكيف انقلب الحال؟! كأنها القيامة، كدنا نموت من الرعب، كل من في الشارع ركض إلى غير هدى، وبقيتُ مع أختي في الشارع حتى نادانا أحدهم فاحتمينا من القصف في بيت أهله حتى الصباح".
عندما وصلت رغدة وشقيقتها البيت صباحًا، عرفت أن أمها حاولت عدة مرات الخروج من المدرسة للبحث عنهما، لولا شقيقها الذي منعها، بسبب القصف المحموم والمتواصل.
أخت الشاب الذي ساعد رغدة، تخبرنا أن المسجد قرب بيت أهلها قُصف، فأصيب شقيقها، وقطعت قدمه ويده، وتمزق وجهه! وحين اقتحم الجنود المشفى أسروه! وتزيد: "كل يوم بعيط على أخويا، شو ذنبه يدمروا حياته وكمان ياخذوه أسير؟ بسمع أخباره من الأسرى لما يرجعوا غزة، حاليًا هو في السجن، والأسرى هم اللي بيساعدوه، وبينظفو جروحه".
إبادة ولا حسيب
"بعد أن صفوهم قرب الحائط أطلقوا عليهم الرصاص" تقول اعتماد، وتكمل: "صرخ الجندي (اللي ما تصاوب يقف)، وقف شاب، وآخر حاول أن يساعد زوجة أخيه الحامل في شهرها التاسع التي أصيبت بالرصاص، فأمره الجندي أن يتركها ويمضي".
في "الممر الآمن" إذا قُتل طفلك بالرصاص لأنه التفت لا تلتقطه، أكمل طريقك أنت ولا تلتفت، وإن وقفتَ، أو حاولتَ أن تساعده، فدورك قادمٌ لا محالة! كل من ترك وراءه في الطريق مصابًا، كان يعرف أنه يعد الدقائق نحو حتفه، وسوف لن يعودَ ليراه حيًا بعد ذلك أبدًا!
في "الممر الآمن"، سقطت لعبة طفلة، فانحنت لتلتقطها، فأطلقوا عليها الرصاص! ماتت، تتساءل أمها: "بأي قلبٍ طلبوا مني أن أمضي في طريق النجاة وحدي ولا ألتفت؟ بأي قلبٍ صوبوا السلاح نحوي كي لا أعود، وأنا التي فقدتُ لتوي قطعةً من قلبي برصاصةٍ غادرة؟"، تصمتُ قليلًا وتكمل: "كان على الجميع أن ينفذ الأوامر، وإلا صار جثة جديدة في شارعٍ لوّنَه دم الشهداء".
في مركزٍ للإيواء، فقدت سيدةٌ طفلها البالغ من العمر ثمانية أشهر. لقد تعرض لاستنشاق الغازات السامة، والفوسفور! "الغاز تسرب لجسد الطفل، أكله من الداخل للخارج، وأحرق لحمه حتى ذاب. الأم في حالة صدمة، والزوج يعاني "الصرع"، وهي بين كل هذه المآسي تعاني التعنيف، والضرب والإهانة من قبله على مرأى الكل ومسمعه!
رغم ذلك، لا تسعى تلك السيدة إلى لتوفير "طعام طفلها الباقي". وفي ظل عدم وجود الدخل تعتمد على طعام "التكيات"، فإن وجد أكلت، هي وزوجها وابنها، وإن لم تفتح أبوابها يومًا فلا طعام لهم!
الناجي الوحيد
تعيش سعاد في خيمةٍ ملاصقةٍ لمدرسة الإيواء، ومعها ابن أخيها الرضيع! أخذته معها أثناء فرارها لبيت أختها في ليلةٍ دامية، ومنذ أشهر لا تعلم أي شيء عن عائلتها!
كل ما تعرفه أن الاحتلال أطلق أحزمة نارية في منطقة سكناهم، ومنذ ذلك الحين لم تسمع صوت أحدٍ منهم، ولا تعرف ما إذا كانوا استشهدوا أم بقوا أحياء!
الخروج من البيت
ليس سهلًا أن تخرج من بيتك لتذهب إلى الشارع، فالبيوت المهددة بالإخلاء والقصف كثيرة، خذ مثلًا "تم قصف بيت جيراني أول الشارع، بالقرب من مكتبة العاوور. قُصف فجرًا والناس نيام، ووجدتُ نفسي -أنا النائمة- أمام باب الغرفة أفتحه! نائمة، لكن حواسي كلها فزِعة! ترتعد من أصوات الصراخ القريبة، وكأنها في أذني.
الصاروخ الثاني لم ينفجر، وظل أسفل البيت بعد أن صنع حفرةً أيامًا! كل يومٍ كنتُ أمرُّ من نفس المكان وأعود منه، دون أن أعلم أنه "موتٌ" موقوت! لم أكن أعلم أنه لم ينفجر.
وفي يومٍ قريب، دخل بعض أصحاب البيت بيتهم المدمر تفتيشًا عن بعض الأغراض والملابس، فإذا بصاروخ حقدٍ آخر يتبع أمنهم! قتلوا اثنين من الشبان، وآخر من الأقارب، في محاولةٍ لمحو كل شيء، كل الأحداث، والأوجاع، والضحكات، وحتى الذكريات!
فريسة وصياد
بحسب المُنظّر العسكري "كارل كلاوزفيتز"، فإن الحرب هي "استمرار للسياسة، ولكنْ بطُرقٍ أخرى"، لكن عقولنا لا تستطيع استيعاب كل ما يحدث من جرائم إبادة! لا تعي ما يحاك في الغرف المغلقة، وما نسمعه ونراه لن يغير من حقيقة أن العالم يريد ذلك، وأن كل المستفيدين من هذه الحرب يريدون ذلك، وكأنهم في نزهة! فريسة وصيادها، تنظر الفريسة في عيون صيادها الذي يحاصرها، وهي تدرك أن رصاصته ستصيبها مهما حاولت الهرب.
تخيل: أنت مُحاصر، في بقعةٍ ضيّقة، لا مكان آمن فيها، دون راتب ودون سيولة، دون طعامٍ أو ماء، وإن وُجِد فضرره أكثر من نفعه. أينما ذهبتَ يلاحقك صوت الطيران المحلق بسمائك، وصوت القصف والدخان. تجري خلفك الشظايا المتطايرة في كل مكان، وازدحامٌ هائلٌ في تجمعات الخيام! سواد.. كل ما يحيط بك سواد، ورغم ذلك تقف، وتحاول أن تكمل يومك، وأن تقنع نفسك أنك قوي وتستطيع أن تنهض من جديد.
صوت "الزنانة" الذي يفجّر العقل ويخرّب ترتيب الأفكار، يخبرك أنك أنت.. ولا أحد سواك، المقصود بهذا الموت كله! أنت المُلام، وأنتَ الضحية! ستنتهي الحرب لا محالة، لكن من يزيل ركام هذا الدمار كله.. هذا الدمار الذي فينا؟!
