غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
تتحسس الطفلة ملك الخطيب (8 سنوات) آثار الحروق على جبينها وتبكي. تقول بصوتٍ تقطعه الدموع: "ليش أنا هنا؟ ليش أولاد عمي ماتوا؟".
تجلس ملك على سرير نقطة طبية ميدانية تابعة لمستشفى شهداء الأقصى بمدينة دير البلح وسط قطاع غزة، وإلى جوارها أمُّها أسماء عابد، وشقيقتيها رهف (6 سنوات)، وجوليا (عامين). تقول: "ما ذنب صغيراتي؟ خرجنَ من تحت الأنقاض، وكُنَّ شاهدات في هذا العمر على استشهاد 17 فردًا من العائلة"، متابعةً وقد ذرفت دمعة: "لم يبقَ لهن أحد".
في تفاصيل الحكاية، تعيش أسماء عابد (29 عامًا) في بيتٍ من طابقين شرقي منطقة الزوايدة وسط قطاع غزة، التي زعم الاحتلال أنها ضمن المناطق الآمنة، فكان من ضمن النازحين إلى منزلها عائلتها القادمة من حي الشجاعية شرقي مدينة غزة، وآخرون.
تخبرنا: "اعتقدَنا أننا في أمان حين نزح أبي وأمي وأفراد عائلتي إلى منزلنا، حيث تعرّضت أرض زراعية قريبة من بيتهم للقصف عدّة مرات. وصلوا ومكثوا عندنا، ومرّت أشهر الحرب نحمد الله طوال الوقت على نعمة الحفظ، حتى جاءت ليلة الحادي عشر من مايو/ آيار الماضي".
تمسح أسماء جبين طفلتها ملك، وتحاول أن تتلمّس جرحها الذي جفّ أخيرًا، وتكمل: "بينما العائلة كلها نائمة وأنا وحدي مستيقظة، فوجئت بوميضٍ أبيض سريع، لم أسمع شيئًا بعده سوى صراخ زوجي الذي كان يناديني: أسماء.. قومي البيت انقصف. غبتُ عن الوعي لمدة قصيرة، وأفقت على صوت الصراخ، وأغلب ظني أن المقصوف هو بيت أحد الجيران".
"دفعتُ نفسي بقوةٍ وخرجت من تحت الركام لأجد بيتي وبيت أشقاء زوجي الاثنين في الجوار، استهدفوا كلهم".
تزيد: "لم أكن أعرف أنني تحت الأنقاض، ثم انتبهت إلى أن الجيران يحاولون انتشالنا من تحت الركام. هنا دفعتُ نفسي بقوةٍ وخرجت لأجد بيتي وبيت أشقاء زوجي الاثنين في الجوار، استهدفوا كلهم".
انفجرت أسماء بالصراخ وهي تجري بين أنقاض البيوت الثلاثة، تحمل أشلاءً دون أن تجد أدنى أثر لأحياء. سيارات الإسعاف تنقل بقايا لحم، بينما يجاهد الجيران من أجل نبش الركام بأيديهم علّهم يعثرون على من يتنفّس تحت الردم.
تقول أسماء: "في بيتي استشهد والدي وأصيبت أمي، ووالديّ زوجي، وكل من كان في الطابق الأول، أما في بيوت أشقاء زوجي، فاستشهد سلفي وأختي التي هي زوجته، وأطفالها الأربعة، ثلاثة منهم في المرحلة الابتدائية وواحد بعمر شهرين، واستشهد أيضًا أبناء شقيق زوجي الثاني كلهم، (17) شهيدًا في لحظة واحدة".
لم تستفق أسماء بعد من أثر الصدمة، فملامح الوجوم بادية تمامًا على قسمات وجهها، وكأن الحدث يعيد نفسه في كل لحظة، حتى طفلاتها اللواتي لم يشاهدن جثامين أي طفل من أبناء أعمامهن، رأين صور الجثامين على مواقع التواصل الاجتماعي بعد أيام.
تقول أسماء: "لم أخبر بناتي باستشهاد أحد سوى بعد أربعة أيام. ملك كانت حالتها الأصعب، ونجاتها من الموت معجزة، ما زالت حتى اللحظة تسأل لماذا مات أبناء عمي؟".
ولدى سؤال ملك عمّ حدث معها أجابت: "كنت نايمة، بعدين صحيت لقيت حالي في المستشفى مش قادرة أفتح عينيا، مع وجع فظيع في كل مكان بجسمي".
كانت إصابة ملك في الدماغ والذراعين بالغة، ناهيكم عن حروق في الوجه. شعَرت وقتها بآلام مُبرحة، لكنها لا تعرف ما حدث بالضبط! كل ما فهمته أن بيتهم قُصف، ولاحقًا عرفت أن أبناء وبنات عمها جميعًا، وأجدادها معهم شهداء.
"أيمن، أمير، كنزي، حور، لين، حلا، يزن، أبناء عمومة وأصدقاء بناتي، كلهم الآن شهداء" تقول أسماء، بينما تكمل ملك: "يزن كان نفسه لما يكبر يجيب سيارة، وأنا نفسي أصير دكتورة، لين في صف ثالث، وحلا معي في الصف الثاني، كنا نروح سوا على المدرسة، وبعد هيك رح أصير أروح لحالي".
تقطع الحديث أمها فتزيد: "أسمعُها أحيانًا وهي تتكلم مع نفسها، وتحكي حكاية: (كان في بيت وفي البيت كان في يزن وأيمن وكنزي وحور، البيت انقصف، والأولاد استشهدوا. كان عندي سكوتر، وقطار ودبدوب أحمر كبير، وكنت ألعب مع يزن وأيمن وحلا. كلنا كنا نلعب سوا، وين راحو الأولاد وليش تركوني؟)"
تتابع بحرقة: "ابنتي تردد هذا الكلام باستمرار! لقد دخلت في هذه الحالة النفسية الصعبة، وأنا لا أستطيع التخفيف عنها، لأنني أسرح كثيرًا، وأشعر أن الزمن توقّف! أحيانًا أتمنى أن أصرخ، وحتى هذه صعبة، أنا حقًا لا أستطيع الصراخ".
تعاني أسماء حالةً نفسيةً صعبة، نتيجة ما تعرّضت له، وهي ما زالت تتذكر آخر موقفٍ مرَّ عليها في كل لحظة، وتكمل: "كنت أحيانًا أبيت في الطابق الأول مع والدي، ولكن في ذلك اليوم، فضّلت البقاء مع بناتي في الطابق الثاني. الطابق الأول عندنا لم ينجُ منه أحد، ومن بيوت أسلافي نجا أحدهم وزوجته بينما استشهد أطفالهما، وسلفي الثاني زوجته هي شقيقتي ميساء استشهدت معه ومع أطفالها الأربعة، حتى طفلتها كنزي البالغة شهرين، التي وُلدت خلال الحرب استشهدت أيضًا".
من يتحدث إلى أسماء، لن يبذل جهدًا كي يرى ملامح الوجوم والدهشة على وجهها. هي شاردة الذهن على الدوام، وكأن الزمان توقّف عند نهار الحادي عشر من مايو، قبل أن تفقد كل أحبتها فجأة.
ورغم أنها جمعت بيديها أشلاء غالبية من استشهدوا لكنها لا تصدّق أن كل هذا قد حدث، إن مرارة الفقد ليست خبرًا في نشرة إخبارية، إنها انكسار القلب الذي سيرافق الناس في كل لحظة من حياتهم.
