أن تموت "حيًا".. نازحًا في خيمةٍ قرب مَكَب!
تاريخ النشر : 2024-06-04 13:05

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

على سرير مهترئ ينام أبو عطية بجوار خيمته التي اضطر لنصبها أمام مكب النفايات في دير البلح وسط قطاع غزة. لا مكان آخر يحتويه بعد تكدس النازحين الذين أجبرهم الاحتلال الإسرائيلي على النزوح من مدينة رفح؛ لشن عمليته البرية.

يعبّر أبو عطية عن حاله بالقول: "بنخنق وبموت ألف مرة باليوم"، لا سيما وأنه مريض فشلٍ كلوي، ولم يتمكن من السفر للعلاج في الخارج بسبب إغلاق وحصار الاحتلال لمعبر رفح.

ويضيف بينما يحاول طرد الذباب عن وجهه: "أكلت جسدي هذه الحشرات، وأصابني مرض جلدي، ناهيكم عن أن خيمتي أضحت مرتعًا للفئران والقوارض".

يعاني أبو عطية أيضًا من إعاقةٍ حركية، تجعل ابتعاده عن المكان بشكلٍ مريحٍ يوميًا أمرًا صعبًا. يكمل: "يحاول أبنائي إبعادي عن المنطقة، ويجرونني بالكرسي المتحرك لمكانٍ آخر، ثم أعود مرةً أخرى إلى واقعي، بين النفايات، وأتجرع مرارة البقاء في الخيمة حيث لا مكان أنام فيه سواها".

فوق هذا، يشكو الرجل مشكلة شُح المياه بسبب كثرة عدد النازحين في المخيمات المجاورة، "وهذا يمنعني من الاستحمام في أي وقت، أو حتى دخول الحمام". يصمتُ قليلًا ثم يتابع بنبرة قهر: "لم أعش ظروفًا كهذه طوال حياتي. يعزُّ علي أن تكون نهايتي هنا".

أكثر من ثلاثة أشهر وأبو عطية يجلس قرب حافة الموت. مريضًا، نازحًا، وبجانب مكب! يحكي: "قدمتُ طلبًا مستعجلًا لاستكمال علاجي في الخارج في ظل عدم توافره هنا، لكن إغلاق المعبر دفعني لغسيل الكلى بمستشفى شهداء الأقصى مرتين في الأسبوع، ولساعتين فقط، وهذا لا يلبي احتياجي الصعب من العلاج".

ويفترض أن يغسل أبو عطية الكلى في الأسبوع ثلاث مرات، لأربع ساعات في المرة الواحدة، لكن قلة الإمكانيات والحصار الإسرائيلي ضيق الخناق على علاجه، كمثل باقي مرضى الكلى في قطاع غزة. يعقب: "بدل ما نموت، يمنحوني معدل الحياة فقط، والله إعدام اللي بصير فينا".

حال أبو عطية لا يختلف كثيرًا عن حال أطفال الشاب زين جاد الله، الذين عانوا الويلات بسبب تواجدهم قرب المكب. يشير بيديه نحو النفايات ويتساءل: "عاجبكم اللي بصير فينا؟ آخريتنا ننام بين الزبالة؟".

"يستيقظ أطفالي من نومهم في منتصف الليل مذعورين من الديدان التي تمشي على أجسادهم".

وقع أطفال زين فريسةً للأمراض بأنواعها. يخبرنا: "يستيقظ أطفالي من نومهم في منتصف الليل مذعورين من الديدان التي تمشي على أجسادهم، والحشرات التي تقرصهم، وتسبب لهم الحكّة، ناهيكم عن إصابتهم بمرض الكبد الوبائي، وانتشار القمل والحشرات في رؤوسهم".

يضرب كفيه ببعضهما، ودموعه في عينيه، ثم يكمل: "بكل أسف أذهب لعلاج أطفالي في المستشفيات، لكن لا توجد أدوية، والمياه غير صالحة للشرب، ولا توجد إمكانيات لشراء المياه المعدنية في ظل عدم وجود مصدر دخل".

لا يوجد مكان آخر يفر إليه النازح جاد الله لتخفيف وطأة العيش في ظل الروائح الكريهة كل دقيقة. ويزيد: "جو الخيمة يخنقني، أُضطر للخروج منها، فأجد النفايات أمامي"، معقبًا بالقول: "والله بس نفسي تخلص الحرب، ونرجع على بيوتنا".

و تعبر الحاجة الستينية أم محمد الشريف عن سخطها من واقع الحياة قرب المكب، بقولها: "والله ما قادرة أتحمل وجع المغص والاستفراغ".

أكثر من عشرين يومًا قضتها السيدة المُسنة على فراش المرض، دون علاجٍ يُذكر. لا تدري أتتألم من المغص، أم من هيجان الجلد، أم من القهر الذي قادها للعيش هنا في "آخر العمر" كما تقول.

 وتتابع: "أكلت جسدي الحشرات والبعوض، الحكة لا تفارقني، ولا تجدي مع هذا المكان أي محاولات للنظافة أو التنظيف".

"ذعر وخوف طول الليل. الكلاب بتدخل الخيمة، وأطفالنا بيصيرو يصيحو ويبكو".

تجلس أم محمد على كرسي أمام خيمتها، وتحاول الترفيه عن نفسها "لكن هيهات. هنا الحياة من قلة الموت" تصف. وتسرد معاناتها: "صارلنا هنا 4 شهور، راح أنخنق، وكل ما هب الريح بياخد معاه كل الورق والأكياس والريحة".

تعاني السيدة والأطفال الذين يشاركونها الخيمة، الخوف الشديد من الكلاب الضالة التي تحيط بالخيام هنا، التي تأتي بحثًا عن الطعام في ظل حرب الإبادة والتجويع في قطاع غزة. تقول: "ذعر وخوف طول الليل. الكلاب بتدخل الخيمة، وأطفالنا بيصيرو يصيحو ويبكو".

بدوره، يقول مدير دائرة المشاريع في بلدية دير البلح، فاخر الكرد لـ"نوى": "استهداف الاحتلال لمقر النفايات في منطقة الفخاري شرقي خانيونس، ووضعها ضمن المناطق الحمراء، تسبّب بمشكلةٍ كبيرة، وهي عدم إيجاد مكبات أخرى للنفايات".

ويضيف: "وضعت البلدية خطة طوارئ بديلة، تمكنت بواسطتها من تحويل النفايات إلى المناطق الجنوبية لدير البلح".

هذه الخطة- والحديث للكرد- لها مخاطرها، حيث تحتوي المنطقة على خزانات جوفية، "وهذا سيتسبب بكارثة بيئية في ظل عدم وجود حماية لتسرب عصارة النفايات إلى داخل التربة" يردف.

"تنتج دير البلح يوميًا بين 300 و350 طنًا من النفايات، بسبب نزوح أعداد كبيرة إليها، خصوصًا بعد العملية العسكرية برفح".

وأشار إلى تضاعف استخراج النفايات من منطقة دير البلح، بسبب نزوح أعداد كبيرة من مدينة رفح إليها، إذ تنتج يوميًا بين 300 و350 طنًا من النفايات، محذرًا من كارثة بيئية وصحية في حال استمرار تراكمها.

وأكد الكرد أن الأراضي في مناطق النزوح غير مهيأة كمكب نفايات، مطالبًا بوقف الحرب، وإيجاد حلول بديلة وعاجلة، يمكنها إنقاذ حياة وصحة النازحين من تبعات تراكم النفايات بالقرب من أماكن إيوائهم.