"ملاقط" في وجه الريح.. والحصار !
تاريخ النشر : 2024-05-29 14:41

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

قديمًا قالوا: "الحاجة أم الاختراع"، لكن في غزة اليوم يمكننا أن نقول إنَّ "الحرب هي أم الاختراع". هذا ينطبق تمامًا على قصة بكر اللوح، الذي حوّل خراطيم المياه المُهملة إلى ملاقط غسيل!

على بساطة ما نتحدث عنه، إلا أن ملاقط الغسيل في قطاع غزة، باتت حاجةً مُلحّةً لا سيما في مراكز النزوح، في ظل إغلاق المعابر، والحصار الخانق المستمر منذ ثمانية أشهر، وفقدان الأسواق أقل الاحتياجات الأساسية.

بدأت الحكاية، عندما رصد الستيني النازح في مدرسةٍ شمال مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة، مشاهد لنساءٍ عبثت الرياح بجهدهن في غسل الملابس، فألقت بها أرضًا "وكأنك يابو زيد ما غزيت"، ذلك لأن "ملاقط الغسيل" كانت آخر ما يمكن أن يفكرن به من احتياجات قبل النزوح من بيوتهن التي قُصف معظمها.

يقول لـ"نوى": "النساء الشريحة الأكثر تأثرًا بالحرب، وقد دفعنَ ثمنًا باهظًا من أرواحهن وصحتهن الجسدية والنفسية طوال أيام الحرب، وقد شاهدت الغسيل يتطاير ليسقط على الرمال أو الطين في مراكز النزوح وبين الخيام، ويذهب بتعب السيدات هباءً. تصادف ذلك مرةً مع مشهدٍ آخر لأطفالٍ يلهون بخرطوم مياهٍ أسود يبدو أنهم سحبوه من بين ركام أحد المنازل المقصوفة، ومن هنا لمعت الفكرة في رأسي".

في التفاصيل، بدأ اللوح بتقطيع الخرطوم البلاستيكي إلى قطع صغيرة يتراوح طولها بين 2 و3 سنتيمترات، ثم قصُّها بطريقة عرضية بما يسمح باستخدامها في تثبيت قطعة الملابس بحبل الغسيل.

يشعر اللوح بسعادة كبيرة كونه تمكن بهذه الفكرة البسيطة، من مساعدة النساء والتخفيف من معاناتهن، وسد حاجتهن لملاقط الغسيل الشحيحة في الأسواق، التي تضاعف أسعار المتوفر منها عشرات المرات، فلا تتناسب مع قدرة النازحين الذين أنفقوا كل مدخراتهم على شراء المعلبات والخيام، والفراش والأغطية طوال أشهر الحرب.

ونزح هذا الرجل الستيني مع أسرته (15 فردًا) من منزله القريب من المدخل المؤدي إلى بلدة جحر الديك على شارع صلاح الدين وسط القطاع، في الأيام الأولى من الحرب، وخاضوا معًا تجربة النزوح مراتٍ عدة، بدأت من مخيم النصيرات إلى بلدة الزوايدة، ومنها إلى مستشفى شهداء الأقصى في مدينة دير البلح، ثم إلى مدينة رفح أقصى جنوبي القطاع، قبل العودة إلى هذه المدرسة في شمال مخيم النصيرات، حيث لم يعد لهم منزلًا يرجعون إليه، وقد دمرته غارات جوية إسرائيلية برفقة عدة منازل تقع ضمن مربع سكني تعرض للتدمير الكلي.

وتشير التقديرات الدولية والمحلية إلى أن الحرب أجبرت أكثر من 85% من بين 2.2 مليون فلسطيني في القطاع على النزوح ومغادرة منازلهم ومناطق سكناهم، وتركتهم يواجهون ظروفًا قاسية وبائسة، لتزداد معاناتهم مع الحصار المطبق الذي فرضتهُ دولة الاحتلال الإسرائيلي عليهم بالتزامن مع اندلاع الحرب.

وبالنسبة لبكر اللوح فإن هذه الحرب هي الأعنف والأشد ضراوة ليس فقط من حيث الضحايا من الشهداء والجرحى، ولكنها قاسية على الأحياء، الذين يجبرون على الهروب من مكان إلى مكان بحثًا عن أمانٍ مفقود، ويواجهون ظروفًا معيشيةً مؤلمة جراء الحصار وغلاء الأسعار، وحتى المساعدات الإنسانية لم تكن كافية قبل توقفها نهائيًا مع اقتحام معبر رفح البري، وسيطرة قوات الاحتلال عليه، ومنع تدفق حركة الأفراد والمساعدات.

اللوح: "محاولة إيجاد البدائل ليست من باب الاستسلام للواقع، وإنما للتكيف مع تداعيات الحرب والحصار"

يقول بكر: "محاولة إيجاد البدائل ليست من باب الاستسلام للواقع، وإنما للتكيف مع تداعيات الحرب والحصار، ومحاولة التغلب على الأزمات التي تعمّدَ الاحتلال صناعتها، ومضاعفة معاناة الناس"، مشيرًا إلى أن الفلسطيني يثبت في كل مرة قدرته على قهر المستحيل وتجاوز العقبات، "ومن هنا كان التفكير في ملقط الغسيل، مرورًا بتشغيلِ السيارات على الزيت، والعودة إلى أفران الطين لعدم توفر الوقود وغاز الطهي" يزيد.

"نحن شعب عظيم" يقول بكر وهو كاتب سياسي، ويضيف: "نحن نستطيع التعايش مع أصعب الظروف، ونسعى في الوقت نفسه إلى تغيير هذه الظروف، والأهم أننا لا نمل ولا نستكين عن مساعينا للانعتاق من الاحتلال، ورغم قساوة حرب الإبادة التي نتعرض لها في غزة، إلا أن أقدامنا لم تزل راسخة على هذه الأرض".

وتشيد شاهيناز اللوح وتحمل درجة الدكتوراة في الرياضيات بقدرة والدها على تعزيز صمودهم، والبحث عن بدائل تجعلهم قادرين على تجاوز الأزمات التي اعترضتهم في رحلة النزوح القسرية المتكررة، وآخرها ابتكاره ملقط تثبيت الغسيل، وتقول لـ "نوى": "على بساطة ملقط الغسيل لكنه بالنسبة للمرأة مهم جدًا، ويحفظ لها جهدها ويحافظ على غسيلها، والملقط الذي صنعه والدي أثبت نجاحه، والكثير من النازحين معنا في المدرسة لجأوا له ليصنع لهم كمية منه أو تعليمهم كيفية صناعته".

وتزداد أهمية هذه الملاقط بحسب شاهيناز (43 عامًا) من كونها غير متوفرة في الأسواق، بسبب الحصار وإغلاق المعابر ومنع الاحتلال تدفق السلع والبضائع لقطاع غزة عبر معبر رفح البري مع مصر، أو معبر كرم أبو سالم التجاري الوحيد.

شاهيناز: "أسعار المتوفر من هذه الملاقط في الأسواق مرتفعة للغاية، ولا تناسب الأوضاع الاقتصادية لغالبية الناس".

وبالنسبة لشاهيناز فإن أسعار المتوفر من هذه الملاقط في الأسواق مرتفعة للغاية، ولا تناسب الأوضاع الاقتصادية لغالبية الناس، الذين تسببت الحرب في تردي أحوالهم المعيشية، وحثت النساء على تدبير شؤون أسرهن اليومية من البيئة المحيطة وبأقل الإمكانيات المتاحة، وختمت بمدح نساء غزة: "المرأة الفلسطينية في غزة مبدعة، صابرة، وقادرة على قهر الظروف الصعبة".