غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
تقضي الخمسينية هويدا الأقرع، نهارها على تلةٍ قرب شاطئ مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، تخلط التبن مع الطين، وتعجنه بأصابعها الضعيفة، من أجل تشكيل أفران طينة.
السيدة التي تنهمك يوميًا في العمل، وتقضي فيه ساعات، تخفي في قلبها همًا وغصة، فقد فقدت سبعةً من أحفادها شهداء، إلى جانب زوجة ابنها ميساء، التي كانت بمثابة بنتٍ من بناتها لطيبة قلبها وحسن خلقها.
رغم ذلك، ما زالت أم راغب -كما تحب أن يناديها الناس- تناضل من أجل من تبقى من أحفادها، ومن أجل ابنها الذي فقد عائلته كلها، ويعاني حالةً نفسيةً صعبة.
تقول لـ"نوى": "الهمّ كبير، ولكن حالة ابني سلطان الذي تعرّض لصدمة نفسية بعد فقدان زوجته الحامل وكل أبنائه، يدفعني لأن أكون أقوى، وأضغط على جرحي كي أواصل دعمه".
تعيش أم راغب (أمّ لعشرة أبناء بينهم 4 إناث) غربي مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، وهي منطقة يزعم الاحتلال أنها "آمنة"، وكان أبناؤها يعملون على عربة كارو تجرها أنثى حمار، لولا أن بدأت الحرب، فأصيبت برصاصةٍ في الرأس، وماتت وهي ترضع صغيرها بعد حوالي نصف ساعةٍ من الإصابة.
تكمل: "كان علينا توفير الحليب للحمار الصغير وتربيته، وأيضًا توفير مبلغ 4000 دينار ثمنًا لشراء حمار جديد، لكننا لم نكن نملك المال، فعدنا مجددًا للعمل في أفران الطين".
أتقنت أم راغب صنع أفران الطينة منذ الصغر، لكنها لم تمارسها منذ زمن، فاضطرت بسبب ضيق الحال، وفقدان مصدر الرزق إلى العودة للحرفة، فبدأت بالذهاب يوميًا إلى بيت ابنها سلطان في منطقة المشاعلة غربي دير البلح، فتعجن الطين بالتبن، وتشكل أفران الطينة التي تشبه في شكلها القبة، حولها أحفادها يراقبون ويساعدون ويتعلمون.
تخونها الدموع التي هطلت من عينيها رغم محاولات إخفائها، فتقول: "محمد كان أكبر أحفادي (13 عامًا). كان ينافس إخوته في جلب المياه، وكنتُ كلما ذهبت إليهم حملت له الحلوى معي فيفرح بها. كانوا يجتمعون للعب حولي بمجرد دخولي البيت، وضحكاتهم كانت أجمل شيء في الدنيا. لم أتوقع أبدًا أن أفقدهم بهذه الطريقة البشعة".
وتضيف: "محمد، نعيم، بيان، بيسان، ليان، ريم، وجنين في بطن ميساء، كلهم قريبون من قلبي، أذهب إلى بيتهم كي أفرح بهم، وحتى أمهم ميساء كانت مثل ابنتي، كنت أعمل طوال اليوم، وأنفق على بيتي، ثم أضع ما تبقّى من مال عندها كادّخار للمستقبل".
في الخامس من نوفمبر، تعرَّضَت منطقة المشاعلة لحزامٍ ناري. تشير ام راغب إلى السماء وهي تقول: "بعد هذا الوقت بقليل، كنتُ قد غادرتُ بيت ابني قبلها بنحو عشر دقائق، وبالكاد وصلتُ بيتي، واتصلت بابني سلطان لأطمئِنَّ فردّ علي وهو يصرخ: أولادي راحوا يما".
كان سلطان حينها يبعد عن بيته مسافة 200 مترٍ فقط، وطال القصف بيوت المنطقة وصولًا لبيته الذي استشهد فيه كل أفراد عائلته، وبقي بعدها يعاني من صدمة نفسية.
تقول أم راغب: "عشت الحزن على أحفادي والقهر على ابني، وبقيتُ في حالة حزن شديدة استمرت لأشهر، ولكن كان علينا الكثير من الديون، ومن أجل من بقيَ حيًا عدت منذ 3 شهور للعمل في صنع أفران الطينة، بالإضافة إلى أنني أخبز للناس خبزهم الذي يعجنونه بأجر بسيط".
تعود أم راغب لتدور بين أفران الطينة المرصوصة أمام خيمتها التي أقامتها فوق التلة ذاتها، وتشير إلى السماء قبل أن تكمل: "هنا أفرّغ همومي. البحر نعمة الله لنا، أتنفس بعمق وأبكي وفي نفس الوقت أرصّ الأفران هنا كي تجف، فهذا الهواء مناسب جدًا لها".
تمسك جالونًا من المياه وهي تمرّ مجددًا على الأفران التي لم تجف بعد، فتملّسها بالمزيد من الماء وتشرح :"هذا مهم من أجل تمكينها أكثر. هذه الفتحة التي تعلو الفرن منها يخرج اللهب الذي نستخدمه من أجل تسخين مياه الاستحمام في ظل انقطاع سبل تسخين المياه".
تقرّ أم راغب بارتفاع سعر أفران الطينة، إذ كان لا يتجاوز 100 شيقل قبل الحرب، لكنه اليوم وصل إلى 180 بسبب ارتفاع سعر الإسمنت، وفقدانه من الأسواق أصلًا. حتى التبن، أشتريه ب40، والتبن بـ30 ناهيكم عن تعب العجن والمشاكل الصحية التي تسبب بها ذلك لمفاصل أصابعي".
وفوق انشغالها اليومي بالخَبز وصنع الأفران التي زاد الإقبال عليها بشكل كبير بسبب انقطاع غاز الطهي، وتضاعف أسعاره إن تواجد، تذهب ام راغب كل يوم خميس إلى المقبرة لزيارة قبور أحفادها وزوجة ابنها، يرافقها سلطان، الذي يجد سلواه بقربهم – حسبما يخبرها.
تجد أم راغب في البحر وهوائه متنفسًا لها. تريد أن يصل صوتُها لكل العالم، تريد حق أحفادها، فلا يصبحوا أرقامًا، "أريد أن يحفظ العالم كله أسماءهم. أن يعرف أن أطفالًا قُتلوا دون ذنب بينما كانوا يحلمون بواقعٍ أفضل، وحياةٍ يعمها الأمن والسلام" تختم.
