دانا.. "ابنة العز" تبيع البسكويت!
تاريخ النشر : 2024-05-21 14:59

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

عند الشارع الرئيس المتاخم لشاطئ بحر دير البلح غربي المدينة المكتظة بالنازحين، تبيع الطفلة دانا الغرابلي (13 عامًا) ما تيسّر من بسكوتات وحلوى، لكنها تُخفي خلف عينيها العسليتين مرارة الحكاية.

هي فتاةٌ عاشت حياةً مترفةً مُنذ وُلدت، في بيت والدها تاجر الأقمشة، الذي خسر بين نظرةٍ والتفاتتها كل ما يملك بعد اندلاع الحرب. "كل شيءٍ صار رمادًا" تقول بأسى.

كانت دانا تعيش مع عائلتها في منزلها المكوّن من سبعة طوابق في حي الشجاعية شرقي مدينة غزة، إلى جانب عمارة عمها المكوّنة من أربع طوابق.

شقة عائلة دانا كانت مكونة من سبع غرف، لها ولأختها منها واحدة مجهّزة بأسرة ملونة، ومكتب وخزانة، ومرسم صغير خصصه لها والدها كونها تمتلك موهبة الرسم التي لم تمارسها منذ تاريخ السابع من أكتوبر/تشرين أول الماضي.

كانت حياة دانا هادئة منظمة، تعود من مدرستها قبيل الظهر، فتستحم وتذهب بعدها إلى المركز التعليمي لحضور دروس التقوية في مادتَي اللغة الإنجليزية والرياضيات، لتعود بعدها إلى هاتفها المحمول المسموح لها استخدامه لمدة ساعة واحدة يوميًا للترفيه عن نفسها. "كان حلمي أن أصبح طبيبة ذات يوم، لكن لا أعرف بعدما ضاعت هذه السنة كيف سنعود إلى مقاعدنا، كيف سيصبح شكل أحلامنا بعد ما عشناه من بؤس" تضيف.

مع بداية الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، أُجبرت دانا وعائلتها على النزوح بعد ثلاثة أيام من التحذير الإسرائيلي لسكّان شمال وادي قطاع غزة، تعقّب: "خرجنا بعد قصف المنطقة بالأحزمة النارية، ولم نحمل معنا شيئًا، اللهم إلا النجاة بحياتنا".

تواصل: "لجأنا لمنزل زبون لوالدي في حي الشابورة، وبعد أسبوع طلب منا المغادرة لأنه يريد إيواء صهره. خرجنا إلى منزل زبونٍ آخر في حي الجنينة شرقي مدينة رفح، وعشنا في مخزنٍ غير مجهّزٍ لشيء، لكن والدي عمل على إنشاء مرحاض ومطبخ فيه".

تتحدث الفتاة بمرارة عن قصف الاحتلال لعماراتهم في حي الشجاعية، وضياع كل أملاك والدها وعمها، وما يزيد الوضع قسوة هو مرارة العيش في مخزن غير مجهّز لإيواء البشر، تقتحمه الكائنات الحية الغريبة على حد تعبيرها، "تخرج من الشقوق فتأكل من طعامنا، وتخرب ما نمتلكه من ملابس. والآن مع هذا الحر نرى كائنات أغرب" تزيد.

عمل والد دانا -خلال نزوحه- سائق أجرةٍ على سيارته كي يجد قوت يوم عياله، هكذا حتى ألقى الاحتلال المناشير على حي الجنينة قبل أسبوعين، وطالب السّكان بالمغادرة، فحملوا أمتعتهم وانتقلوا إلى دير البلح وسط قطاع غزة، فلم يجدوا أي مكان، وكان الحل بإنشاء خيمةٍ داخل قطعة أرض.

تقول دانا: "من الصعب الانتقال من حياة الرفاهية التي اعتدناها إلى حياة الخيام. ننامُ فوق الرمل ولا نملك خيارات في الحفاظ على نظافتنا. كانت لديّ فرشة أعطيتها لوالدي كونه يعاني من مشكلة في ظهره، وأنام أنا على مفرش ووسادة. اضطررنا جميعًا إلى البحث عن عمل كي نتمكن من مشاركة بعضنا في الإنفاق وتوفير احتياجات العائلة".

لدى دانا شقيق من ذوي الإعاقة تضطر والدتها إلى البقاء معه طوال الوقت، بينما تخرج دانا وشقيقها وابنة عمها إلى التجّار لشراء بعض البسكويت والحلوى، ثم بيعها للمارّة عند الشارع الرئيس المطلّ على بحر دير البلح.

ربما يخفف الهواء اللطيف لبحر رفح من وطأة حرارة الجو إلى جانب الشمسية الصغيرة التي تجلس خلفها دانا، لكنها بالتأكيد لا تنسيها كيف كانت حياتها وكيف أصبحت.

تقول: "الآن حلمي فقط أن تتوقف الحرب، وأن أعود إلى الشجاعية. صحيحٌ أن بيتنا مقصوف، لكن لدينا هناك أرض كانت مزروعة وتم تجريفها، يمكن أن نقيم فيها خيمة نعيش فيها".

تشتكي دانا مرارة العيش في خيمة، فهي تضطر إلى التعامل مع النار بشكل يومي، فحين نزحوا كانوا يحملون أنبوبة غاز واحدة، والآن نفد الغاز، وأصبح اعتمادهم على الحطب الذي يختنقون بسببه يوميًا، ناهيك عن الحشرات والقوارض التي تخرج من بين الجدارن، ومن التربة، وحتى من فتحات شوادر الخيمة التي يعيشون فيها.

تختم: "كم تمنيت أن أكون رسّامة، ولكن لا أمارس الرسم حاليًا، وحلمي الآن أن نعود، وأن يتوقف ما نحن فيه من خوف فقط".