غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
"استيقظتُ فوجدتُ نفسي غارقةً في الدم. بقدمٍ واحدة، وقلبٍ مفطور"، قالتها الشابة فرح عمّار وبكت. اليوم طُمست كل أمنياتها، وصار حلمها الأكبر "السفر" لتلقي العلاج، وتركيب طرفٍ صناعي.
بدأت الحكاية في السادس عشر من تشرين أول/ أكتوبر من عام "الحرب اللعينة" كما تسميها. حينما ارتكب الاحتلال الإسرائيلي مجزرةً مروعة بحق عائلتها بعد قصف منزلهم في حي الرمال غربي مدينة غزة، فاستشهد ثلاثون، وأصيب العشرات من سكان البيت والنازحين إليه، ومن بينهم فرح.
نزحت فرح في المرة الأولى من بيتها في شارع الوحدة بعدما قصف الاحتلال منزلها، "لكن الصاروخ لم ينفجر"، فقررت الانتقال إلى بيتٍ آخر للعائلة في حي الرمال.
تذكر فرح جيدًا، كيف صرخت بملئ صوتها تحت الركام في ذلك اليوم تنادي أي أحدٍ يمكنه سماعها: "أمانة طلعوني. ما بدي رجلي تروح. أمانة ركبولي بلاتين". كانت تشعر وكأن الكون توقف تمامًا أمام هول الألم، وكأنها تعي أنها خسرت قدمها، حتى قبل أن تخرج من تحت الأنقاض حية.
تقول: "كان الرؤية غير واضحة، وآخر ما رأيته المسعف الذي انتشلني من بين أكوام الحجارة، ثم فقدتُ الوعي".
وجدت فرح نفسها على سرير مستشفى الشفاء الطبي، بلا قدم ودون شاش يلف جروح عينها الغائرة. تضيف: "وصلت المستشفى وكان دمي 3، ضمّد الأطباء جرح قدمي، ولم يكن هناك علاج طبي لعيني التي بقيت مفتوحة، وحتى اللحظة لم أكمل علاجي اللازم".
وأما الذي لم يكن في الحسبان بعقل فرح، اقتحام قوات الاحتلال مستشفى الشفاء بشكل مباغت في نوفمبر 2023م. تخبرنا: "فجأة حوصرنا ولم نستطع الخروج. كانوا يطلقون النار على كل جسمٍ متحرك".
تعمد الجندي وضع ليزر سلاحه في عينها التي فقدتها، وأجبرها على الإخلاء قسرًا بسرير المستشفى!
بقيت فرح داخل المستشفى حتى الثاني والعشرين من نوفمبر الماضي، لكن النجاة من الموت لم تكن بتلك السهولة، فقد عاشت فصولًا من الموت، أعظمها حين تعمّد الجندي وضع ليزر سلاحه على عينها التي فقدتها. تزيد: "ثم أجبروني على الإخلاء قسرًا بسرير المستشفى".
على طول الشارع الرئيس المؤدي لشارع الوحدة، بقيت أمها تجرها بالسرير فوق ركام البيوت والشوارع المدمرة، وعلى يمينها وشمالها دبابات إسرائيلية تُصوّب مدفعيّتها نحوهما، ناهيك عن تلذذ الجنود في إرعابهما بإطلاق النار على البنايات السكنية المرتفعة، وسقوط الشظايا حولهما كالمطر.
أكثر المواقف صعوبةً عاشتها فرح عندما علق السرير بين حجارة البيوت المدمرة. قالت: "انخفضت أمي لتزيحها، فصوّب الجنود أسلحتهم نحوها. رفعت يديها، وبقيت تحاول حمل السرير مرارًا وتكرارًا حتى نجحت أخيرًا، ومضت تنتظر قدر الله لكلتينا".
أكثر من خمس ساعات، بقيت أمها تجرها بالسرير حتى وصلت إلى بيتها بعد معاناةٍ كبيرة. تكمل: "بقيتُ أكثر من ثلاثة أشهر دون علاج أو حتى استشارة طبية. فقط كنتُ أُغير على جرحي بجهدٍ شخصي كل يوم، حتى لا يتعفن".
أكثر من مرة ذهبت فرح إلى المستشفى المعمداني بمدينة غزة حتى يتم التنسيق لها للذهاب إلى مدينة رفح جنوبي القطاع من أجل استكمال العلاج لكن دون جدوى، في ظل تمركز آليات الاحتلال على حاجز "نتساريم"، وفصل المدينة عن وسط وجنوبي القطاع.
بمحض الصدفة وجدت فرح سيارة الصليب الأحمر داخل المستشفى. حينها لم يستوعب عقلها الظلم الذي وقع عليها في ظل حرمانها من العلاج لشهور عدة. فقررت أن تتصرف. تروي: "أوقفت الكرسي المتحرك في وجه السيارة، وقلتُ لهم حرفيًا: "يا بتاخدوني معكم، يا بتدعسوني".
بعد أسبوعين، وبتاريخ 25 نيسان/ إبريل من العام 2024م، نجح الصليب الأحمر بإجلاء فرح من مدينة غزة باتجاه المستشفى الأمريكي الميداني في مدينة رفح جنوبًا، الذي تمكث حاليًا بداخله.
"كان حلمي أصير صحفية، لكن حاليًا بس نفسي أسافر لأتعالج".
تكمل: "أحتاج لتركيب طرف صناعي بديلًا لقدمي التي فقدتُها، وتركيب عين زجاجية، ناهيكم عن أن يدي اليسرى تعاني من تهتك في العظام، وتحتاج للعلاج قبل أن يتم بترها".
تناشد فرح كل المؤسسات الدولية والمعنية لاستكمال علاجها في الخارج، وتختم باكية: "كان حلمي أصير صحفية، لكن حاليًا بس نفسي أسافر لأتعالج".
