مسنّان في العراء بعد نزوح رفح!
تاريخ النشر : 2024-05-16 14:26

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

لم تتوقف دموعها طوال حديثها عن معاناتها منذ بداية الحرب. الحاجة حليمة أبو وردة (67 عامًا) كانت تشهق غصّةً وتزفر قهرًا، كلما تذكّرت الحال الذي تعيشه اليوم وهي "عزيزة النفس" التي لم تعتد أن تطلب من أحدٍ شيئًا.

نزوحٌ متكررٌ عاشته حليمة حتى وصلت إلى ساحة مستشفى شهداء الأقصى بدير البلح وسط قطاع غزة، وهناك، كانت تجلس على رصيفٍ، تسأل كل من يمر بالقرب منها عن "خيمةٍ" تؤويها وعائلتها التي تبيت في العراء منذ تسعة أيام!

كانت الحاجة الستينية تعيش في منطقة القصاصيب بمدينة جباليا شمالي القطاع، وهي منطقةٌ طالها وابلٌ من القذائف منذ أول أيام العدوان. لم يكن أمام الناس هناك إلا النزوح، "فتهديدات جيش الاحتلال كانت واضحة: إما النزوح لجنوب وادي غزة، أو الموت تحت قذائف الأحزمة النارية" تقول.

رغم ذلك، بقيت السيدة في بداية الأمر داخل بيتها وقالت (سأموت فيه)، لا سيما وأنها تعاني آلامًا في الظهر، ويعاني زوجها مرض الفشل الكلوي، "ويحتاج لجلسات غسيل ثلاث مرات أسبوعيًا بواقع 4 ساعات لكل جلسة" تشرح.

وتتابع السيدة: "ما جعلني أتخذ قرار النزوح، صاروخ إسرائيلي باغت بيتي وتسبب في استشهاد سبعة من أحفادي أواخر العام الماضي، ثلاثة منهم أشقاء، ولم يبقَ لأبيهم سوى بنت واحدة، واثنان غيرهم أنجبهما ابني الثاني بعد الكثير من عمليات زراعة الأجنة، في حين أصيب آخرون".

صدمةٌ تلقّتْها العائلة التي دفنت شهداءها الأطفال، ولم تجد وقتًا لترميم جراحِها، فجدُّ الأطفال المصاب بالفشل الكلوي بحاجة إلى جلسات غسيل، وهذا لم يعد متاحًا في نهاية كانون الأول/ديسمبر، بعد اقتحام جيش الاحتلال للمستشفى.

هنا، عقَدت السيدة العزم على النزوح إلى وسط القطاع، إنقاذًا لروح زوجها وشريك عمرها أبو العبد.

تخبرنا: "غادرنا بواسطة سيارة من شمال القطاع حتى وصلنا حاجز الجيش الإسرائيلي، كان معي الحاج الذي اضطررتُ لجرّه على كرسيه المتحرك، ومعه حفيدتي المصابة، وحفيدي أيضًا، واثنان من أبنائي، بينما اختار ثلاثة من أبنائي البقاء في البيت شمالًا".

مشيئًا على الأقدام، وصلت الحاجة إلى مستشفى شهداء الأقصى في دير البلح، ثم نزحت برفقة أحد أقاربها إلى مركز إيواء (مدرسة تابعة لوكالة الغوث) شرقي مدينة رفح قرب مستشفى أبو يوسف النجار، الذي أصبح مقصدها من أجل جلسات غسيل الكلى لزوجها.

وتكمل: "لم تكن الرعاية كما يجب، ولكن بكل الأحوال كنا نجلس في غرفة فصل، ونصل للمستشفى من هناك، يساعدني أحيانًا أهل الخير في دفع الكرسي المتحرك. حاولتُ قبول الواقع رغم أنني أعيش في وضعٍ سيءٍ وأعاني في ذات الوقت من القلق على أبنائي بالشمال".

مع تحذير جيش الاحتلال الإسرائيلي لسكان شرقي مدينة رفح، وإجبارهم على النزوح قبل نحو أسبوع، قررت أم العبد العودة من جديد برفقة زوجها ومن نزح معهما من عائلتهما، إلى دير البلح، حيث وجدوا أنفسهم في ساحة مستشفى شهداء الأقصى دون أي مقوماتٍ للحياة. لا خيمة، ولا ملابس، ولا أواني، ولا طعام إلا من بضع لقيمات يقدمها لهم أهل الخير.

ما يُقلق الحاجّة أكثر، هو انقطاع التواصل مع أبنائها في الشمال، فآخر الأخبار تقول إن الاحتلال أعاد تهجيرهم مجددًا، وقصف ما تبقى من بيوتٍ هناك.

تعقّب: "كنت قبل الحرب أمتلك سيارة أجرة وأشغّلها لحسابي، دخلُها كان جيدًا، وأُنفق منه على نفسي وعلى الحاج ولم نكن بحاجة أحد، لكن مع بدء الحرب دُمّرت السيارة خلال قصفٍ على المنطقة، وأصبحنا في حالة عوَز. هذا مؤلم جدًا لسيدةٍ لم تعتد أن تطلب من أحدٍ شيئًا".

"منذ 9 أيام ننام في العراء. أكَلَ رأسنا الحر، وأتعبتنا القوارض، وأنهكنا الذباب والبعوض"

تكمل الحاجة: "منذ 9 أيام ننام في العراء. أكَلَ رأسنا الحر، وأتعبتنا القوارض، وأنهكنا الذباب والبعوض. لا أحد يسأل ولا يهتم، حتى الطعام لا يتوفر لنا (..) وضعنا أصعب بكثيرٍ من ذي قبل".

هنا بكى أبو العبد قهرًا، ورفع كفيه إلى السماء داعيًا الله أن يخفف عنهم وعن أهل غزة وطأة ما هم فيه، وألا يحرمه زوجته التي قال فيها "لولاها بموت، هي من تتحملني، وتقوم على رعايتي".

تربّت أم العبد على كتفه، وتكمل: "كل ما نطلبه خيمة، وبعض الرعاية التي تناسب وضعنا كأشخاص كبار في السن"، ثم بكت وختمت بقهر: "هذا الوضع قاسٍ جدًا علينا".