غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
"كان مشهدًا مروّعًا لن أنساه ما حييت" يقول والد الطفلة سمية أبو غليبة بتأثر، قبل أن يبدأ رواية الحكاية. حكاية طفلةٍ حلُمت يومًا أن تصبح مهندسة، فاغتالت "إسرائيل" يدها والحلم.
كانت سمية في ذلك اليوم ببيت ابن عمّها، تشارك الفتيات الصغيرات اللعب. فلما همّت بالعودة سقط صاروخٌ على بيت الجيران، فاستشهدت صديقتا اللعب، وبترت شظيةٌ يدها.
على الفور، نقلت طواقم الدفاع المدني الطفلة سمية إلى مستشفى شهداء الأقصى بدير البلح، يحكي والدها: "كان أحد المسعفين يحمل يدها المبتورة، والباقون يحملونها على نقالة نحو غرفة العمليات".
خضعت سمية لعمليةٍ جراحية دامت أكثر من خمس ساعاتٍ متواصلة، خرجت بعدها بيدٍ بُترت بالكامل! قال الأطباء يومها لوالدها إن ما تبقى من عظم اليد كان متهتكًا، وقد اكتشفوا نزيفًا داخليًا اضطرهم إلى بترها من قرب الكتف".
لما استيقظت بعد زوال التخدير، صدمت الجميع بأن نظرت ناحية يدها وقالت: "يا رب أنا رضيت، والحمد لك والشكر".
على سرير العناية المركزة، بقيت سمية ثلاثة أيام، فلما استيقظت بعد زوال التخدير، صدمت الجميع بأن نظرت ناحية يدها وقالت: "حسبنا الله ونعم الوكيل. يا رب أنا رضيت، والحمد لك والشكر".
يعقب: "أعرف أن الوضع لن يكون بهذه السهولة، فهي ما زالت طفلة، وقد تواجهها الكثير من المصاعب بسبب بتر اليد. لكنني حاولت أن أهون عليها فأخبرتها أن يدها الآن سبقتها إلى الجنة".
يلف كتف سمية اليوم شاشٌ أبيض. تمسك بيدها اليمنى قلمًا وبين قدميها دفترًا ترسمُ الحياة التي تتمنى أن تعيشها، إنها لا تفتأ تردد: "نجح الاحتلال في بتر يدي لكنه لن يفلح أبدًا بقتل أحلامي، سأحققها رغمًا عن الاحتلال".
ويضيف والدها: "سمية الأولى على صفها في المدرسة. لا نذكر قط أن معدلها انخفض عن التميز (أعلى من امتياز)، فهي تقضي معظم وقتها في الدراسة والرسم واللعب"، وتخبر الجميع دون تردد: "أنا عندي أمل وطموح كبير، وراح أحققه بإيدي اليمين بس، وراح أصير مهندسة مبدعة كمان".
عندما تحتاج سمية للمسكن، تبدأ بالغناء برفقة ابنة عمتها "بدي كاتمول.. بدي كاتمول" ليضحكا معًا ويضحك معهما كل من يشهد الموقف، فأي قوةٍ هذه التي تجعل طلب مسكن الألم وسيلةً للتخفيف عن النفس والترفيه عنها؟
الطفلة سمية: "أنا عندي أمل وطموح كبير، وراح أحققه بإيدي اليمين بس، وراح أصير مهندسة مبدعة كمان".
رغم ذلك، تجد سمية في بعض الأحيان -وفق والدها- تنهار بالبكاء! تذرف الكثير من الدموع، وتصرخ من هول الألم والصدمة. "هي الحقيقة صادمة، كلما تذكرتها وتخيلت مستقبلها بكت" يعقب.
ويزيد الأب المقهور على حال ابنته: "لا تحب أن تتذكر يوم الحادثة، وتراودها مخاوف من أحاديث الأطفال حول أنها لم تعد تملك ذراعين! فأحاول تجاوز الموقف معها بإخبارها أن عليها أن تتفوق عليهم جميعًا بنجاحها واجتهادها".
وحتى في المنام، تلاحق سمية كوابيس القصف والموت. يقول والدها: "تحلم كثيرًا أنها قُصفت مرة أخرى، وبعد كل عملية تصحو لتفاجأ بأن يدها لم ترجع إلى مكانها كما كانت تظن. آخر عمليةٍ أجريت لها كانت في عصب ذراعها المبتور، والأطباء يدفعون باتجاه محاولة توفير طرف صناعي لها لمساعدتها على تجاوز الأزمة النفسية قدر المستطاع".
يأمل والدها أن تسافر لتكمل علاجها في الخارج، في ظل عدم توفر العلاج اللازم لحالتها بسبب الحرب الإسرائيلية المتواصلة على قطاع غزة، منذ السابع من تشرين أول/ أكتوبر من العام الماضي.
