غزة... طوابيرٌ لكل شيء والنتيجة "فُتات"
تاريخ النشر : 2024-04-17 15:25
صورة نقلًا شبكة الانترنت

رفح- شبكة نوى :

تقف أم أنس سليمان (35 عامًا) في طابور طويل أمام أحد المخابز بمدينة رفح جنوب قطاع غزة، علّها تحظى بربطة خبز تعود بها لعائلتها النازحة في إحدى الخيام بالمدينة.

قصة أم أنس مع الطوابير اليومية طويلة وحزينة كبقية سكّان قطاع غزة الذي فُرض عليهم هذا النمط من المعاناة اليومية منذ بدء العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة يوم 7 أكتوبر 2023م، طوابير من أجل الخبز وأخرى للمياه وثالثة للمساعدات وأتعسها طوابير دخول المراحيض العامة المجاورة للخيام.

بتنهيدة وزفرة حارة تتحدث أم أنس: "يوميًا ومنذ الصباح أمشي لمسافة طويلة لأصل إلى المخبز لأقف في طابور طويل، يتبعه طابورًا طويلًا آخرًا نحو المدرسة لأقف في طابور طويل آخر للحصول على فتات المساعدات، ثم طابور جديد أمام محطة المياه من أجل الحصول على جالون مياه، حتى دخول المرحاض يحتاج طابورًا".

قصة أم أنس مع الطوابير بدأت منذ النزوح في أكتوبر الماضي، وما زالت مستمرة يوميًا كونها المعيلة الوحيدة لأسرتها المكوّنة من 7 أفراد خاصة وأن زوجها سافر منذ 5 سنوات، حياتها تحوّلت إلى طوابير تصل ساعات، تصلها كلها سيرًا على الأقدام حتى أنها فقدت من وزنها 15 كيلو، فينتهي النهار لتجد نفسها نامت من شدة التعب.

منذ السابع من أكتوبر، وتحت وطأة الضربات الجوية بعد أن أعلن رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الحرب على قطاع غزة، وإجبار مئات الآلاف من العائلات على النزوح من شمال إلى جنوب قطاع غزة، والنازحون يعانون حياة قاسية خاصة في الخيام، طوابير يومية ومشي سيرًا على الأقدام لمدة تصل إلى عدة كيلومترات يوميًا.

رامز التتري (37 عامًا)، نازح آخر من مدينة غزة إلى رفح يعاني ما تعانيه أم أنس، يقول:" منذ الصباح الباكر تبدأ رحلة المشي لمسافات طويلة، أذهب إلى محطة تحلية المياه للحصول بصعوبة جدًا على جالون ماء الشرب، بسبب طابور طويل، والرجوع به مشيًا إلى الخيمة، والرجوع مرة أخرى للمشي وإحضار باقي المستلزمات اليومية من حطب وخضرة".

التتري المعيل لأسرته التي تتكون من 5 أفراد يكمل:" نسيت أنني يلزمني راحة كوني أعاني من غضروف بالفقرة السابعة، ومصاب بطلقٍ ناري بقدمي اليمنى قبل عشر سنوات، لا يوجد راحة فالحرب دمرتنا واستنزفت صحتنا، لا أستطيع المشي لمسافات طويلة إلا بالمسكنات، ولكن مضطرًا لذلك، فمن سيوفر مستلزمات أسرتي".

"حظي وعارفه وين ما أروح ما بتزبط معي"، بهذه الجملة بدأ الشاب رائد القصاص (32 عامًا) حديثه لـ "نوى"، ويكمل: "أمشي مسافات طويلة، ثم أصطف في طابور تحت الشمس، المشي لمسافات يفقد جسمنا الكثير من السوائل، وبعد طابور طويل يخرج صوتًا عاليًا ليقول انتهت الكمية، ارجعوا في الغد".

ويوضح القصاص أن صعوبة الأوضاع وغلاء الأسعار دفعته لعمل بسطة صغيرة يبيع عليها حاجيات أطفال كي يتمكّن من تحصيل بعض النقود التي يوفر بها الطعام لصغاره، وإحضار البامبرز الذي ارتفع سعره بشكل غير طبيعي، بينما تتناوب معه زوجته للبيع على البسطة حين يذهب إلى الطوابير.

ولدى سؤاله عن المواصلات أجاب: "هي قليلة جدًا، ولو أردت استخدام مواصلات فكل مشوار يكلف 4 شواكل ذهابًا فقط وأنا أخرج في أكثر من مشوار يوميًا، وهذا سيحتاج ميزانية أخرى ونحن في وضع سيء يتطلب توفير كل شيكل"، ثم يشير بإصبعه ناحية الشارع معقّبًا: "هي الناس الكل بمشي والناس مش لاقية الشيكل".

لم تقتصر معاناة المشي لمسافات طويلة، والوقوف في طوابير على الرجال والنساء، بل إنها طالت حتى الأطفال الذي أجبروا على ترك مدارسهم واللعب في بيوتهم، لتنقلب حياتهم ويجربون مثل عائلاتهم مأساة الوقوف في طوابير.

الطفلة رزان بارود (15 عامًا) تقول: "كبرت قبل أواني، صرت أعبي مياه، وأروح على السوق أشتري أغراض، لو في مساعدة بروح بجيبها، عشان ماما لا تستطيع المشي لمسافات طويلة لأنها أصيبت في قدمها اليسرى قبل ثلاث سنوات".

ملامح رزان منهكة من شدة التعب تكمل:" والله تعبنا يا ريت ما نزحنا من غزة وضلينا، واستشهدنا هاي مش حياة، بعد ما كنا نروح ع المدرسة ومعنا جوالات ونطلع ع مطاعم، صرنا ندور ع الأكل والمياه جوعونا".

يذكر أن الاحتلال الإسرائيلي يشن حربًا على قطاع غزة منذ 7 أكتوبر 2023 راح ضحيتها نحو 38 ألف شهيدة وشهيدًا غالبيتهم من الأطفال والنساء، إضافة إلى 71 ألف جريحة وجريحًا، وتدمير أكثر من 65 ألف وحدة سكنية ودمار هائل في البنية التحتية شمال قطاع غزة وفي محافظة خانيونس جنوبه.