شبكة نوى:
عن الانتظار القاتل والأمل القاتم، تأتي قصة الصحفي محمد قريقع، الذي فقد آثار والدته مع حصار مجمع الشفاء الطبي، صال وجال خلالها بين الشوارع بحثًا عن والدته حتى أنهى أمله ثيابًا وأظافر لجثة شبه متحللة قتلها الجيش الإسرائيلي في محيط مستشفى الشفاء بغزة، عرف أنها لوالدته!.
على مدار أسبوعين جاب قريقع شوارع المدينة، وأزقّتها مشيًا على الأقدام سأل المارة، وطَرق الأبواب، استراح عند عتبات البيوت القديمة، طريقه طويل، لا مجال للجلوس، واصل المسير علّه يجد والدته، أو يسمع صوتها التي فقد التواصل معها لحظة اقتحام الجيش المجمع فجر يوم 18 آذار (مارس).
ومع انسحاب الجيش في الأول من شهر نيسان الجاري، انتشرت صور وفيديوهات لمجمع الشفاء تُبين إحراق وقصف المباني كافة بالإضافة إلى المنازل المحيطة به، ومئات من الجثث ملقاةٌ على الأرض.
وبعد سماعه خبر انسحاب الاحتلال من المستشفى ذهب مسرعًا ليطمئن على والدته التي كانت محاصرة بلا ماء ولا طعام ولا شراب خاصة أنها كانت مريضة.
"عرفتها من نومتها وأظافرها وأواعيها وشعرها الأبيض"، هكذا تعرّف محمد على والدته الشهيدة ملقاة على وجهها نحو الأرض ومعظم جسدها متحلل.
يقول قريقع لـ"شبكة نوى" أنّ شهود عيان كانوا محاصرين مع والدته أخبروه بأن الجيش أعدمها بدمٍ بارد أثناء محاولتها البحث عنه التي كانت لا تعلم أنه غادر المستشفى.
وتوقع المكلوم قريقع أن يعود إلى المنزل معها ولكن عاد وحيدًا بعد أن كفّنها وودّعها وواراها الثرى.
"نزحنا إلى مبنى قسم الكلى خلف مبنى الجراحات في المستشفى عدة أيام، وبشكل مفاجئ أرسل الجيش شاب وأخبرنا إنه يجب فرز النساء والرجال كل منهما في غرفة، وعقب فرزنا تم تفتيش وتعرية الرجال فجر يوم الاثنين، وجلسنا على الأرض حتى الساعة الرابعة والنصف عصرًا، حتى قضاء الحاجة كانت ممنوعة وإن قام أحد من الشبان يتم إطلاق النار عليه"، يقول محمد.
ويسرد أنّ طائرة كواد كابتر حلقت فوق رؤوسهم تصور المتواجدين كافة داخل المبنى، وفي ذات اللحظة رأى والدته تبكي وهي تمشي رافعة يديها للأعلى مع النساء.
وأخرج الجيش قريقع ومعه عددٌ من الشبان إلى ساحة المستشفى وسلّطوا عليهم الأضواء والكاميرات، وبعد ذلك طلب الجيش منهم الخروج إلى البحر أي يعني النزوح إلى جنوب غزة.
ويردف أنّه خرج من المستشفى يوم الثلاثاء المغرب، عاريًا إلى المستشفى المعمداني ومن ثم توجه لمدرسة الدرج وفي الطريق رأى أحد الشبان كان برفقته في قسم الكلى، وأخبره أن زوجته لا زالت محاصرة مع والدته فاتصل به ليطمئن عليها.
في آخر كلمات سمعها من والدته، قالت له: "كيف حالك يما يا حبيبي، ما عندي مية أشرب الدواء ما عندي أكل، نمت على الأرض"، معبرًا عن عجزه بمساعدتها سوى الدعاء لها.
ويتابع :"صديقة أمي اتصلت بي وأخبرتني إنها رفضت النزوح إلى جنوب غزة كما طلب الجيش منهم بدوني، وأنها تركتها عند سيدة أخرى معها كانت تحاول الخروج إلى مدرسة الدرج ولكن للأسف افترقتا عند مدخل قسم الطوارئ".
ويسرد قريقع نقلًا عن نازحين، قائلًا: "والدتي كانت تطلب النجدة بمساعدتها وتوفير كرسي متحرك لكن لا أحد قام بمساعدتها، وانتظرتني على باب قسم الولادة لم تكن تعلم أنني غادرت المستشفى".
يكمل :"بعد انسحاب جيش الاحتلال ذهبت إلى المستشفى وأخبروني شهود عيان أنهم شاهدوها آخر مرة عند قسم الولادة، ووجدتها ممددة على الأرض كما كانت تنام على سريرها جسدها منتفخ وجثمانها متحلل شبه كامل، عرفتها من ملابسها وأظافرها المميزة".
ويشير إلى أنّ والدته أُعدمت بدم بارد وهي واحدة من المئات الذين أعدموا داخل المستشفى ومحيطها، واصفًا إياها: "في حياتها، لم تؤذ، أحد، حتى العدو، نفسه، لم تؤذه، واستجابت لتعليماته، بالخروج من الشارع الجنوبي، لمستشفى الشفاء، مغرب يوم الثلاثاء، 19-3، ثاني يوم اقتحام الجيش الإسرائيلي، للمستشفى، ولكن، الجنود، غدروا بها، قتلوها، حرموني منها".
ويلفت إلى أنّ والدته كانت تُعاني منذ بدء حرب الإبادة الجماعية من مضاعفات، كونها مريضة قلب والسكر بالإضافة إلى ضغط الدم المزمن، ومع اشتداد المجاعة في شهر يناير (كانون الثاني) كانت لا تستطيع توفير الطعام إلا القليل.
وبعد أن واراها الثرى كتب الصحفي محمد قريقع عبر صفحته "فيسبوك" وهو يحمل فستان والدته على كتفه قائلًا: "هذا فستانك، يمّا، الوحيد الذي لم تأكله النار، الوحيد، الذي قاوم رائحة البارود، وأبقى رائحتك، الزكيّة، فيه فستانك يمّا، حزين".

