رمضان في غزة ..غابت الطقوس وحضرت معاناة المجاعة
تاريخ النشر : 2024-04-05 05:38

غزة:

"لا بهجة لشهر رمضان ولا مظاهرة للفرح كما السابق، أصوم نهارًا كاملًا لأفطر على خبزة صغيرة مصنوعة من علف الحيوانات طعمها سيء ولا أستطيع إكمالها".

بهذه الكلمات تحدثت الطفلة غزل مرشد (12 عامًا)، والتي تشهد رمضان من قلب المجاعة في غزة، حيث نفدت السلع الغذائية والدقيق منذ أواخر العام 2023 بسبب الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة وعزل شمال القطاع عن جنوبه منذ 13 أكتوبر من العام ذاته حين أجبر الاحتلال مئات الآلاف من الفلسطينيين على النزوح إلى جنوب قطاع غزة.

عائلة الطفلة غزل كان ضمن نحو نصف مليون عائلة أصرّوا على البقاء خوفًا من التهجير، لكن الطفلة التي خبرت في هذا السن المبكر معنى كلمة "مجاعة" تخشى أن تنضم إلى نحو 25 ضحية توفوا شمال القطاع بسبب المجاعة.

تقول الطفلة غزل لنوى: "كنا نستعد لشهر رمضان أنا وأمي وإخوتي بتعليق حبال الزينة وصنع الفوانيس من الورق الملوّن، وتشغيل أناشيد رمضان ولكن لم نفعل من هذا أي شيء، خلال شهر رمضان كنا نتسحر جبن ومربى وتمر، ونفطر كل يوم طعام مختلف والثابت هو طبق السلطة والشوربة وبعد الإفطار تحضير الحلويات سواء القطايف أو الكنافة".

تكمل: "كل هذا افتقدناه الآن، فالسحور هو دقة أو زعتر لدرجة أنني كرهتهم، أما إفطار اليوم الأول، فأمي أحضرت علبة صلصة وأضافت لها بعض الريحان ومسحوق الثوم وتركته يغلي على الحطب لنتناوله وكأنه طبق من البندورة المقلية، طعمه مقرف ولم أكمل الطعام، فأخذت خبزتي ووضعت فيها بعض الزعتر الذي كرهته أصلًا".

حال الطفلة غزل وعائلتها كحال كل العائلات التي بقيت في شمال قطاع غزة، ولم تجد ما يسدّ جوعهم سوى باختراع طعام من أي شيء متوفر، مهما كان طعمه سيئًا.

والدتها مي مرشد تعقب: "لشهر رمضان طقوس خاصة اعتدناها، وحُرمنا منها هذا العام، نفطر على أي شيء متوفر مهما كان طعمه سيئًا، الخبز مصنوعًا من أعلاف الحيوانات وهو سيء الطعم ولكن نضطر لتناوله، رغيفان لكل فرد يجب أن يكفياه لثلاثة أيام، فلا طعام ولا تغذية، حتى دخلت بعض المساعدات إلى شمال قطاع غزة، فإن من يستطيع الحصول عليها فقط هو من لديه قوة وعضلات، ولم تصل بشكل حقيقي للمواطنين".

تستحضر السيدة رمضان الأعوام الماضية بحسرة حين كانت أقضي الأسبوع الأخير قبل رمضان بالتحضير له وصنع حبال الزينة والفوانيس مع بناتها غزل وميار، وشراء حاجيات رمضان ومن أجبان وقمر الدين وحلاوة الطحينة وحتى المكسرات الخاصة بالقطايف والكنافة.

تكمل مي وهي أم لأربعة أطفال: "كل هذا يضاف إليه خوف ورعب الصغار بسبب القصف المتواصل، تركت بيتي في تل الهوا ونزحت إلى بيت عائلة زوجي في حي الدرج، تدمر بيتي وأصبحت بلا مأوى، رمضان هذا العام حزين جدًا".

أما السيدة ام محمد التتر وهي من مدينة غزة أيضًا فلها مع عائلتها معاناة مماثلة بسبب المجاعة التي يعيشها شمال القطاع.

تقول أم محمد: "رمضان هذا العام مخالف تمامًا، فالاستعداد له في ظل شح الأشياء المتوفرة بالسوق تجعله باهتًا، لا كهرباء ولا ثلاجات نحفظ فيها أي شيء هذا إن توفر أصلًا، فكل ما هو موجود في السوق السلق والخبيزة والحمصيص وهي أكلات تعب منها أبنائي ولكن لا بديل عنها، بها نتدبر أمورنا".

تستحضر السيدة الستينية أجواء رمضان في الأعوام السابقة بحسرة وهي تقول :"اليوم بكيت بشدة على حالنا، كنت أستعد لرمضان بتحضير كل الأصناف التي اعتدناها في الشهر الفضيل، لدي ثلاثة أبناء متزوجون كنا نفطر معًا كلنا في جو عائلي جميل، الآن تفرقنا وكل واحد منا في مكان".

تعض على شفتيها بقهر وهي تكمل :"أول يوم كان إفطارنا طعام السماقية، وهي من الأكلات التي لها طقوس خاصة بالسماق والسلق واللحوم، ولكن صنعناها بطريقة مختلفة بلا لحم ولا حمص ولا أي شيء من مكوناتها الرئيسية، المهم أنها شيء يسد الجوع بعد صيام نهار كامل".

السيدة التي عادت إلى بيتها مؤخرًا بعد نزوح لعدة أماكن داخل شمال قطاع غزة ذاته، تعيش الآن في منزل نصفه مهدوم، ولكنها تؤمن أن ما حدث أفضل حالًا من بيوت هدمت بالكامل، على الأقل استصلحت من المنزل المكون من ثلاثة طوابق غرفة ومطبخ وحمام.

في هذا المنزل الركامي تعتني السيدة بابنها محمد الذي أصيب خلال "معركة الحصول على نصف كيس من الطحين"، فبعد أن نجا من مجزرة دوار النابلسي وحمل على كتفه كيسًا من الطحين ليعود به إلى أمه وعائلته باغته شاب بالسلاح الأبيض وضربه على وجهه ليأخذ منه نصف الكيس، وبقي محمد متشبثًا بالنصف الباقي بينما تسيل الدماء من وجهه وصدره متجهًا إلى البيت ظافرًا بالطحين.

تعقب: "عاد غارق بالدماء، ولم أدرِ هل أصرخ هلعًا مما أصابه ام أفرح لأننا حصلنا أخيرًا على نصف كيس من الطحين".

تكمل: "نستخدم الطحين بحذر ونخلطه بأشياء أخرى كي نكثر الكمية، هذا الكيس كلفنا دماء ابني، نصف الكيس هذا هو من المساعدات التي راحت ضحيتها أرواح أكثر من 100 شخص أما سعر الكيلو الواحد فيصل إلى 80 شيكلًا لا قدرة للعائلات على تأمينه، ناهيك عن اضطرانا للطهي على الحطب بسبب انقطاع الغاز، وهو ما أثر سلبًا على صحتي خاصة وانا مريضة سرطان".

من وسط المجاعة في شمال قطاع غزة، آلاف العائلات تفطر على الدقة والزعتر فقط وتعيش على خبز مصنوع من أعلاف الحيوانات، الناس تبدو شاحبة يائسة، والصحة في وضع متدهور ناهيك هن الوضع النفسي السيء لأناس رغم كل ما يمرون به من تجويع وترهيب وقتل جماعي، لكن العالم نسيهم.