رفح - شبكة نوى :
"لقد فعَلَت بنا المجاعة ما لم تفعله القنابل والصواريخ"، يتفق على ذلك نازحون جدد من مدينة غزة وشمالي القطاع فرادى وجماعات، بعدما فتكت بهم المجاعة التي تضرب النصف الشمالي من القطاع الساحلي الصغير، المحروم من سبل الحياة.
تتعالى صيحات الجوع شمالًا، وبرزت معها في الآونة الأخيرة مشاهد مؤلمة وغير مسبوقة، لرجالٍ ونساءٍ وأطفال يتضورون جوعًا، بعدما نفد من غزة وشمالها كل شيء يمكن أن يؤكل، ويسد الرمق. تقول أسماء مقاط لـ "نوى": "أكلنا كل شيء حتى علف الحيوانات وطعام العصافير ولم يتبق شيءٌ في الشمال".
ويفرض الاحتلال الإسرائيلي عزلةً خانقةً وحادة على مدينة غزة ومناطق شمال القطاع، ويمنع كل سبل ومقومات الحياة عن مئات آلاف الفلسطينيين الذين تمسكوا بالبقاء في منازلهم ورفضوا التهديدات وأوامر النزوح جنوبًا.
واضطرت أسماء (39 عامًا) إلى النزوح مع أسرتها هربًا من المجاعة، بعد نحو 5 شهور ظلت متمسكة بالبقاء في منزلها بحي التُفاح شمال شرقي مدينة غزة، أسوة بآلاف الأسر والعائلات، التي آثرت السلامة منذ الأيام الأولى للحرب في السابع من أكتوبر/تشرين الأول من العام الماضي.
"طوال الشهور الخمسة الماضية، بكل ما عايشناه من قتل وتدمير، صمدنا ولم ننزح نحو الجنوب" تقول أسماء، ثم ترتفع نبرة صوتها لتستدرك بكثيرٍ من الألم والقهر والحزن: "لكن خلص مش قادرين، القصفُ فوق رؤوسنا وفي كل مكان، وكمان جوع وعطش (..) من لا يموت بالصاروخ سيموت جوعًا".
وتتابع: "لا يوجد هناك في غزة والشمال أي شيء للأكل، وللبقاء على قيد الحياة أُجبرنا على تناول أعلاف الحيوانات وطعام العصافير، حتى لم يعد أمامنا من خيار سوى النجاة بأنفسنا والنزوح لرفح".
في خيمةٍ صغيرة داخل مدرسة "خولة" التابعة لوكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، وعلى مقربةٍ من الحدود مع مصر في مدينة رفح أقصى جنوبي القطاع، تقيم أسماء مع زوجها فوزي (47 عامًا) وأطفالهما الخمسة، وابنتهما أميرة وزوجها.
تقول أسماء: "والله حرام اللي بيصير فينا (..) وين العرب والمسلمين الذين ينتظرون شهر الصيام؟ احنا في غزة صايمين من شهور، وما في عنا أكل ولا مياه".
وبدافعٍ من قَرَصات الجوع، اختارت أسرة مقاط خوض تجربةٍ لا تخلو من مخاطر جمة، بالسير على الأقدام لمسافة طويلة في شارع الرشيد المحاذي لساحل البحر غربي مدينة غزة، حيث تقيم قوات الاحتلال حاجزًا عسكريًا، توظّفه مصيدةً للاعتقال، وللقتل أحيانًا بفتح النار على نازحين نحو الجنوب، وجوعى ينتظرون شاحنات نادرة من المساعدات تسمح لها بالوصول إلى الأطراف الجنوبية الغربية من المدينة.
ويصف فوزي مقاط لـ "نوى" الطريق من منزله حتى مغادرة مدينة غزة بأنها "مرعبة وخطيرة"، ويقول بينما كان جالسًا داخل الخيمة مادًا ساقه المصابة بحروق وإلى جواره زوجته أسماء وقد اتشحت بالسواد وبدت عليها علامات القهر والتعب: "بعد شهورٍ من الصبر رغم القصف والقتل والتدمير، اخترتُ النزوح للنجاة بأسرتي من الموت جوعًا، حيث تضرب المجاعة كل مناطق مدينة غزة وشمال القطاع".
وأمسك برغيفٍ من الخبز مصنوع من الدقيق الأبيض وقال: "لم أر هذا الرغيف منذ شهور، وغالبية سكان الشمال محرومون منه. المجاعة هناك ستجبر الكثير منهم على النزوح للجنوب".
وتشهد مدينة رفح ومناطق وسط القطاع موجات من النازحين الجدد، الذين فعلت بهم المجاعة ما لم تفعله القنابل والصواريخ، وأجبرتهم على النزوح جنوبًا طلبًا للطعام بعدما فتك بهم الجوع، وبحسب منظمات حقوقية محلية ودولية فإن "إسرائيل" تستخدم التجويع عقابًا جماعيًا بحق سكان شمالي القطاع.
واستقبل الشاب محمد الدده عددًا من أفراد أسرته، الذين وصلوه نازحين من الشمال، وينقل على ألسنة الصغار والكبار منهم مشاهد مؤلمة لما آلت إليه الأوضاع المعيشية في غزة وشمالها.
يقول: "هجم الصغار على الخبز وكأنهم لم يروه من قبل، وتغيرت ملامح الأطفال والكبار بسبب الحرب والمجاعة. في الأيام القليلة الماضية لم تعد أمامهم أي خيارات للأكل، فتناولوا الحشائش والنباتات، بعدما نفدت أعلاف الحيوانات، وذَبَح مواطنون حصانًا مصابًا بنيران الاحتلال وتناولوا لحمه"، واصفًا ما يحدث للناس في غزة والشمال حاليًا بأنه "إعدام جماعي".
ويتساءل: "طيب لمتى نستطيع الصبر والصمود؟"، قائلًا بحسرة: "معقول أصبح رغيف الخبز حلمًا بالنسبة لنا؟". ويؤكد الشاب أن كثيرين يعتزمون النزوح جنوبًا هربًا من المجاعة، وما يجعلهم يترددون حتى اللحظة مخاوف الطريق، وإطلاق النار من دبابات الاحتلال المتمركزة على شارعي الرشيد وصلاح الدين.
لم يعد للناس شيءٌ في الشمال، الدمار على مرأى البصر، لقد دمرت قوات الاحتلال الحياة بكل مفاصلها من منازل ومدارس ومستشفيات وبنية تحتية، وكذلك كل المخابز والمطاعم مدمرة. يقول محمد: "لقد أعادوا غزة 500 عام إلى الوراء وليس 50 عامًا فقط".
ووفقًا لـ"المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان"، فإن معدّلات الوفيات جرّاء الجوع وسوء التغذية والجفاف ترتفع بشكل مخيف في شمالي القطاع، مع استمرار ارتكاب الاحتلال لجريمة الإبادة الجماعية على مدار خمسة شهور، وفشل المجتمع الدولي بالضغط لوقف الجريمة المستمرة، وإيجاد وضمان تنفيذ آلياتٍ فعّالة لتقديم المساعدات الإنسانية الضرورية من أجل إنقاذ حياة الفلسطينيين في القطاع.
وبحسب "الأورومتوسطي" فإن فريقه الميداني في مدينة غزة وشمالي القطاع، بات يوثّق بشكلٍ شبه يومي حالات وفاة، سواء في المستشفيات أو داخل مراكز النزوح، وما تبقى من منازل، جراء المجاعة التي تفشت في المنطقة، وأن أعداد الوفيات تسجل ارتفاعًا كبيرًا في صفوف الأطفال والمسنين.
وتشير الحصيلة الرسمية المعلنة من وزارة الصحة إلى استشهاد 20 حالة وفاة حتى مساء الأربعاء الماضي، السادس من الشهر الجاري بسبب الجوع في الشمال، إلا أن هذا العدد ووفقًا للأورومتوسطي لا يمثل سوى جزءًا من العدد الفعلي، كونه يشمل فقط عدد حالات الوفاة داخل مراكز الاستشفاء، التي تعمل بشكل جزئي ودون مقومات حقيقية، ويصعب الوصول إليها بسبب تدمير الطرق ونقص الوقود الذي يعيق عمل الإسعافات ووسائل النقل الأخرى.
