رفح- شبكة نوى :
"أمي ماتت مرضاَ وقهرًا.. هي شهيدة هذه الحرب وإن لم يقتلها صاروخ أو قذيفة" يقول حازم الجمل عن والدته الستينية "وجيهة"، التي تراجعت حالتها الصحية بشكل متسارع وخطير عقب إعلان "إسرائيل" الحرب على قطاع غزة في السابع من أكتوبر/تشرين الأول من العام الماضي.
لسنواتٍ طويلة كانت وجيهة (65 عامًا) تخضع لغسيل الكلى في مستشفى الشهيد أبو يوسف النجار في مدينة رفح جنوبي القطاع مرتين بمعدل 8 ساعات أسبوعيًا، ولظروفٍ مرتبطةٍ بالحرب والضغط الكبير على وحدة غسل الكلى الوحيدة في هذه المدينة، تقلصت إلى مرة واحدة بمعدل ساعتين فقط أسبوعيًا.
وفي أواخر أيامها قبل الوفاة، عانت "وجيهة" التي فقدت بحسب نجلها حازم "أعز بناتها" جراء غارةٍ إسرائيلية أودت بحياتها وحياة بناتها الخمس، من أورام في أنحاء كثيرة من جسدها. يقول لـ "نوى": "أمي ماتت بسبب المرض والقهر على شقيقتي"، وبرأيه فإن عددًا كبيرًا من المرضى فقدوا أو سيفقدون حياتهم بسبب تداعيات الحرب والضغط الكبير على المستشفيات والمرافق الصحية، بسبب استهداف قوات الاحتلال غالبية المستشفيات ومراكز الرعاية الصحية، وخروج الكثير منها عن الخدمة.
ماتت وجيهة أو "استشهدت" نتيجة هذه الحرب التي تمارس فيها دولة الاحتلال أدوات مختلفة للقتل، من الصاروخ مرورًا بالتجويع وحتى العزلة والحصار ومنع الأدوية والعلاج وكل سبل الحياة عن زهاء 2.2 مليون فلسطيني في هذا القطاع الساحلي الصغير.
يضيف حازم: "والدتي كانت تدرك حقيقة مرضها، وتتعايش معه، وتحافظ على علاجها، لكن هذه الحرب قلبت حياتها رأسًا على عقب في أيامها الأخيرة حتى وافتها المنية".
وفي حكاية شبيهة بمأساة وجيهة، فاضت روح الفلسطيني الأربعيني إبراهيم العزازي بعدما فقد العلاج المناسب الذي كان يتلقاه لأكثر من 20 عامًا، حيث واجه صعوبات جمة في الوصول إلى المستشفيات في مدينتَي رفح وخان يونس المتجاورتين جنوب القطاع.
ومنذ العام 2001م يتعايش العزازي (46 عامًا) مع مرض الفشل الكلوي، ويحافظ بانتظام على غسيل الكلى 4 مرات أسبوعيًا في مستشفى ناصر الحكومي بمدينة خان يونس، ولم يسبق له خلال هذه الأعوام الطويلة أن واجه ظروفًا أقسى من التي تعرض لها خلال الحرب الدائرة حاليًا.
قبيل وفاته في ديسمبر/كانون الأول الماضي بأسابيع قليلة، تدهورت صحة العزازي؛ لصعوبة الوصول إلى مدينة خان يونس، التي اجتاحتها قوات الاحتلال في إطار عملية برية واسعة، ولم يجد له مكانًا في مستشفى أبو يوسف النجار الحكومي الوحيد في مدينة رفح.
ويؤمن يحيى العزازي بانقضاء أجل عمّه إبراهيم، لكنه يقول لـ "نوى": "عمي صبر وتعايش مع المرض 23 عامًا، ولم تمر عليه فترة انقطاع عن غسيل الكلى مثلما حدث معه خلال هذه الحرب.. إنه شهيد المرض والمعاناة".
كان العزازي يتوجه إلى وحدة غسيل الكلى بمستشفى ناصر 4 مرات أسبوعيًا، ويقضي من 3 إلى 4 ساعات بالمرة الواحدة، حتى قبيل اندلاع الحرب، وبسبب تداعياتها واجه أصنافًا من المعاناة، تبدأ من عدم توفر وسيلة نقل، حيث توقفت غالبية سيارات الأجرة عن العمل بفعل أزمة الوقود، وحتى عدم توفر مكان له في المستشفى.
يقول يحيى: "مستشفى ناصر حوّل عمي إبراهيم إلى مستشفى أبو يوسف النجار برفح، حيث لم يجد له مكانًا، وانقطع لفترة عن غسيل الكلى، وقد أعياه التردد بين المستشفيين للحصول على علاجه".
ومن 4 مرات غسيل بمعدل نحو 12 ساعة أسبوعيًا، وفي الأسبوعين الأخيرين قبل الوفاة، خضع إبراهيم لجلستي غسيل بمعدل ساعة واحدة في كل جلسة، إحداهما في مستشفى ناصر، والثانية في مستشفى أبو يوسف النجار. يقول يحيى: "لم تكن كافية لحالة عمي، وطالبنا كعائلة بتسجيله واحتسابه شهيدًا وغيره من المرضى الذين فقدوا أرواحهم جراء الحرب وعدم توفر العلاج والأدوية".
حكايتا وجيهة وإبراهيم بهذه النهاية المأساوية، تمثل نموذجًا لحكايا آلاف المريضات والمرضى ممن يعانون أمراضًا مزمنةً وخطيرة، حيث باتت أرواحهم متأرجحة بين الموت والحياة، بفعل هذه الحرب المجنونة التي تركت آثارها الثقيلة على كل مفاصل الحياة في قطاع غزة، وحتى حبة الدواء.
الأم العشرينية شيماء مهاني واحدة من هؤلاء المرضى الذين يتعلق مصيرهم بين الخوف والرجاء. تقول لـ "نوى": "أنا مصابة بالسرطان، ولم أتلقَّ علاجي الذي آخذه في الوريد منذ اندلاع الحرب، وبات القلق يتملكني خشية أن أفقد حياتي، وأترك ورائي طفليَّ الصغيرين".
تقيم شيماء مع زوجها وطفليها في خيمةٍ متهالكة في مدرسة خولة التابعة لوكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) بمدينة رفح، بعدما اضطرت للنزوح عن منزلها في مدينة غزة.
وتفتقد شيماء لكل مقومات الحياة كمريضة سرطان، وتقول: "واقع الخيمة قاتل، ولا أجد ما أحتاجه من طعام وفواكه، وأضطر إلى تناول المعلبات التي تصلنا كمساعدات وتسبب لي مضاعفات ومعاناة، إضافة إلى الدخان المنبعث من النار، والروائح المنبعثة من مياه الصرف الصحي التي تتسرب قرب الخيمة".
وتشهد مدينة رفح، التي تؤوي حاليًا أكثر من نصف سكان القطاع جراء موجات النزوح الكبيرة إليها، ارتفاعًا ملحوظًا في معدلات الوفيات، ومن بينها مرضى الكلى والأمراض المزمنة.
وبحسب توثيق لجنة الطوارئ الصحية بالمدينة، فإنها تشهد من 30 إلى 40 حالة وفاة يوميًا، فيما كان معدل الوفيات قبل الحرب 5 حالات يوميًا.
ويقول رئيس اللجنة الدكتور مروان الهمص لـ "نوى": إن من يعانون من الأمراض المزمنة يواجهون معاناة مضاعفة خلال الحرب لعدم توفر الأدوية"، ضاربًا المثل بالأدوية المركبة الخاصة بأمراض الضغط والسكري، وغالبيتها غير متوفر لدى القطاع الصحي. "في حين أدوية الربو والسرطانات نادرة جدًا، وعدم تلقي المريض لهذه الأدوية بانتظام يؤدي إلى مضاعفات خطيرة واحتمالات عالية للوفاة" يضيف.
