اشتهَى أحمد "البسكويت" فبتَر صاروخٌ قدميه!
تاريخ النشر : 2023-12-28 13:22

شبكة نوى- دعاء شاهين

على سريرٍ معدنيٍ في إحدى زوايا غرفةٍ من غرف مستشفى شهداء الأقصى وسط قطاع غزة، يمدد الطفل أحمد شبات جسده. ينظر لقدميه المبتورتين، الملفوفتين بشاشٍ أبيض دون أن يعي ما حلَّ بهما.

كبيرةٌ على عقل طفل لا يتجاوز عمره الثلاث سنوات، أن يستوعب فكرة أنه لن يعود للمشي من جديد بعدما بتر الأطباء قدميه. "لقد نجا من الموت عدة مرات بمعجزات إلهية" يقول خاله إبراهيم.

بدأت الحكاية عندما قصفت طائرات الاحتلال منزل عائلته في مدينة بيت حانون شمالي قطاع غزة، فارتقى أفراد عائلته كلهم شهداء، ولم ينجُ منهم إلا هو، وقد عثرت عليه أجهزة الدفاع المدني بعد ساعاتٍ طويلة تحت الركام، بعدما فُقد الأمل بإيجاده حيًا. يضيف الخال: "في تلك اللحظة، وبينما كان أحد رجال الدفاع المدني يمشي فوق الركام، سمع صوتًا خافتًا يصرخ: "ماما.. بابا.. وينكو؟" فتبعه حتى وجدوه تحت أحد أعمدة المنزل التي كانت مائلة فوقه، وبحذرٍ شديدٍ أنقذوه حيًا يُرزق".

استمر أحمد بالبكاء لفترةٍ طويلةٍ يريد والديه وأشقائه، ولم يكن يعلم أنه فقدهم للأبد، فكان خاله الذي بات بمثابة وصيٍ عليه، يخبره بأنهم ذهبوا في رحلة، ولما يلح عليه بالسؤال "إلى أين؟" يجيبه: "إلى الجنة".

لم يكتفِ الاحتلال بقصف منزل الطفل وحسب، فقد تعرّض مرةً أخرى لذات المصير، وكان على قرابة 5 كيلومترات من الموت، حينما قصفت طائرات الاحتلال الحربية المنزل الذي نزح إليه مع عائلة خاله إلى حي الشيخ رضوان، هاربين من الموت في شمال القطاع، ليواجهوا ذات المصير، فينجو للمرة الثانية من فم الموت بأعجوبة.

وفق رواية خاله، فقد نزحوا عدة مرات، وفي كل مرة يتعرض المنزل الذي يقيمون فيه للقصف، مما دفعهم آخر مرة للتوجه إلى مدارس النزوح التابعة لوكالة الغوث "أونروا" في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، علهم هذه المرة يرتاحون ولو قليلًا من حمم ونيران الصواريخ الإسرائيلية.

وهناك، لاحقت النار الناجي الوحيد من أفراد عائلته إلى باب المدرسة، عندما طلب من خاله الثاني شراء البسكويت له، فاصطحبه معه إلى حيث بعض الباعة عند الباب، وهناك طال المخيم قصف عنيف، فسقط الخال شهيدًا، وبقي أحمد إلى جانبه غارقًا بدمه. يصف إبراهيم المشهد بقوله: "عندما رآني، رفع يده، وبدأ يزحف باتجاهي يجر ساقه الممزقه. المشهد أصابني بحالة هستيرية، فصرتُ أصرخ: (إسعاف.. إسعاف دم الولد بيتصفى)، ونسيت أن أخي الآخر استشهد. كان كل همي إنقاذ أحمد، لأنه أصبح أمانة معي بعد ما فقد جميع أهله".

إلى مستشفى شهداء الأقصى، وصل أحمد بدون قدمين، فقد بقيتَا على الرصيف بعدما حمله خاله. هناك مكث في العناية المكثفة محاطًا بعناية الرحمن، حتى بدأت حالته الصحية تتحسن، لكن بكل أسف لم يعد يقدر على المشي أبدًا.

أحمد طفل من بين مئات الأطفال الذين دفعوا من أرواحهم وأجسادهم وأحلامهم وبراءتهم، فاتورة الحرب القاسية، كان يحلم أن يكبر ويصبح لاعب كرة مشهور، "فهو يحب كرة القدم كثيرا ويشجع نادي ريال مدريد" يضيف خاله.

يتساءل خال أحمد الذي يعيش الحسرة على ابن شقيقته: "عندما تنتهي الحرب ويخرج من المشفى، كيف سيستوعب فكرة أنه لن يجد أهله؟ كيف سأخبره الحقيقة؟ ومن سيرعاه؟ كيف سيخرج من حالة الصدمة التي يعيشها؟ كيف سيتعايش كطفل مع فكرة أنه غدا بلا ساقين؟".

في الوقت الذي من المفترض أن يمارس أحمد طفولته البريئة، يعيش ظروفًا قاسيةً جدًا، ليس من ناحيةٍ صحيةٍ وحسب، فالتداعيات النفسية لما حدث معه خطيرة، حيث يرتبكُ من أي صوتٍ بجانبه، ويصرخ كثيرًا كذلك. يخاف لو تحدث معه أحد، فالأمان بالنسبة له بات مفقودًا تمامًا.

يحتاج أحمد الذي يصرخ من شدة الألم باستمرار لوالدته، التي كانت دومًا قبل أن ينام تهدهد له، وتمسح على جبينه، وترتل له آيات الشفاء إذا مرض، وتصنع له وجبة طعامه المفضلة كبافي الأمهات. إنه الآن لا يجدها بقربه، ولا يملك سوى البكاء للتعبير عن ألمه، وحاجته لها.