سماء الحرب "سوداء".. صواريخٌ ودُخان حطَب!
تاريخ النشر : 2023-12-26 12:58

خانيونس:

بينما كانت تغطّي أنفها وفمها بطرف شالها لئلا تستنشق دخان النار، استمرّت الشابة أميرة التلولي، بإضافة أعواد الخشب وبعض الورق المقوى "الكرتون"، إلى النار المشتعلة داخل فرن منزلها لمتابعة طهي الخبز، بعدما أن أجبرتها ظروف الحرب، على العودة لوسائل بدائية جدًا، من أجل تلبية احتياجات الأسرة!

الشابة البالغة من العمر (24 عامًا)، أُجبرت بسبب الحرب الإسرائيلية، وإعلان الاحتلال شمالي قطاع غزة منطقة عمليات عسكرية، على النزوح قسرًا من بيتها في بلدة جباليا شمالًا، نحو مدينة خانيونس في الجنوب، التي ادّعى الاحتلال أنها "آمنة"، لتعيش مع عائلتها في منزل أحد الأقارب، الذي يستضيف عائلاتٍ أخرى أيضًا.

تقول لـ"نوى": "أين الأمان والمدينة تتعرض للقصف بشكل مستمر، ناهيك عن النزوح الحالي لغالبية مناطق المدينة؟".

وتشرح ظروف يومها فتكمل: "بدأنا باستخدام الحطب لإيقاد النار. إنها تجربة جديدة ومرهقة جدًا لا سيما مع شح وجود الحطب، وفي حال توفره فإن سعره تضاعف كثيرًا".

وتضيف: "في ظل الضائقة المالية التي يعيشها الناس، فإننا نلجأ إلى ورق الكرتون، الذي نقوم بإحراقه لصناعة الخبز في الأفران، وحتى هذا بات شحيحًا في ظل خلو المتاجر من البضائع".

وبحزن تؤكد الشابة أن ظروف النزوح معقدة للغاية، في ظل غياب الخصوصية، والشعور بثقل الحضور في وسط اجتماعي لم نعتد على التعايش معه لأيامٍ طويلة، "ناهيكم عن الهموم اليومية التي تبدأ بمحاولات الحصول على ماء النظافة وماء الشرب، ثم تحدي الخبز اليومي، ثم البحث في باقي متطلبات البقاء حتى نهاية اليوم".

وتعقب بحسرة: "أضف إلى ذلك كله، الخوف. الخوف الذي لا ينقطع مع صوت كل قذيفة وكل غارة تشنها طائرة الاحتلال على بيوت الآمنين، في المناطق التي ادعت دولة الاحتلال أنها آمنة ودفعت الناس باتجاهها منذ بداية الحرب".

ولم يغب عن بال الشابة، الحديث عن ظروف النزوح القاسية والمرعبة تحت حمم النيران، والخوف من القصف الذي يضرب المدنيين في كل اتجاه، ومواجهة الموت مع أبيها وأشقائها في كل خطوة، وصولًا إلى النزوح لخانيونس حيث ظروف الحياة لا تقل قسوة.

السيدة أم وائل بريكة (65 عامًا) من محافظة رفح جنوبي قطاع غزة، تقول: "تجربة الخبز على الحطب لم تكن وليدة اللحظة مع بدء الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة منذ أكثر من 50 يومًا، لكنها انتشرت مع الفصل النهائي للكهرباء وعدم توفير الغاز".

تلجأ السيدة إلى هذه الطريقة لإنضاج خبزها بشكل شبه يومي، بينما تبقى المشكلة الأصعب التي تواجهها هو عدم توفر الحطب، وارتفاع سعره في حال توفر.

تقول: "لقد اضطرت إلى السير والبحث عن كراتين وأوراق وبعض الملابس القديمة في الطرقات من أجل إشعال النيران. لا أدري على ماذا سنضطر أيضًا غير هذا".

وأكدت أن الفرن التي تمتلكه منذ أكثر من 20 عامًا، أسهم بشكلٍ كبيرٍ في مساعدة الأهل والجيران بصناعة الخبز، وبعض الأطعمة التي باتت تُطهى عليه أيضًا.

تضيف: "عندما أشعل النار، ويبدأ الدخان بالتصاعد نحو الأعلى، في ظل أصوات الطائرات التي تملأ السماء، أشعر بتوتر شديد، وأخشى أن تباغتنا صاروخ. لا أرتاح أبدًا إلا بعدما أخمد النار وأدخل البيت".

وتعرج السيدة إلى موضوع توفير المياه، "وهذا صعبٌ للغاية"، "فمياه البلدية تأتي في فترات متباعدة، وتحتاج من أجل رفعها للأعلى ماتور يعمل على أيٍ من وسائل التشغيل. كهرباء، أو بنزين، أو سولار، وهذا كله غير متوفر، فتضطر العائلة إلى نقل المياه يدويًا في دلاء صغيرة، ما يزيد من التعب والإرهاق" تزيد.

وما يزيد العبء على كاهل السيدة، استضافة عائلة ابنها الذي قُصف منزله، وخرج سالمًا برفقة زوجته وأطفاله من تحت الركام، "وهذا يحتاج إلى المزيد من التعب والإرهاق في توفير الأكل والطعام والماء وغير ذلك".

وكانت قوات الاحتلال الإسرائيلي، شنت في السابع من تشرين أول/ أكتوبر، حربًا على قطاع غزة، فيما أجبرت بتاريخ الثالث عشر من الشهر ذاته مئات آلاف المواطنين على النزوح من مدينة غزة، وشمالي القطاع إلى جنوبه، بدعوى الحفاظ على حياتهم، في وقتٍ تتواصل فيه المذابح الإسرائيلية ضد المدنيين، حيث تجاوز عدد الشهداء 15 ألفًا، وغالبيتهم من الأطفال والنساء، ناهيك عن آلاف الجرحى والمفقودين، وما زال العدوان مستمرًا.