"كابوس".. نزوحٌ بعد عمليةٍ قيصرية!
تاريخ النشر : 2023-11-23 05:49

أحلام حماد غزة-نوى/فلسطينيات

 في أشد كوابيسها رعبًا، لم تكن العشرينية هديل بدوي تتخيل أنها ستذهب على عربةٍ يجرها حمار (كارو) إلى المستشفى لتضع مولودها الثاني، أو أنها ستقضي أسابيع حملها الأخيرة في مركزٍ للإيواء داخل مدرسةٍ تتبع لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "اونروا" في حي الزيتون جنوب شرقي مدينة غزة.

المأساة بدأت حينما اضطرت وعائلتها إلى النزوح الإجباري، سيرًا على الأقدام، لمسافةٍ تتراوح بين 10 و15 كيلو مترًا نحو جنوبي القطاع، بعد أقل من 10 ساعات على عملية ميلادٍ قيصرية خضعت لها هديل على وقع القصف الجوي والبري والبحري.

عن تفاصيل الحكاية، تخبرنا: "كانت الساعة تشير إلى الثامنة مساءً عندما شعرتُ بآلام الطلق (المخاض)، وبقيتُ أعاني هذه الآلام حتى الصباح؛ لعدم توفر وسيلة مواصلات تنقلني إلى مستشفى المعمداني".

وصلت هديل إلى المستشفى صباحًا في حالةٍ صعبةٍ للغاية بواسطة عربةٍ يجرها حمار، لعدم توفر وسائل المواصلات منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول الماضي. وبرغم أن المسافة بين مركز الإيواء وهذا المستشفى، الذي كان في أحد أيام الحرب مسرحًا لمجزرةٍ إسرائيليةٍ مروعة، ليست بكبيرة، إلا أن هديل وصلت منهكة تعصف بها الآلام.

تقول: "وضعت طفلي بعمليةٍ قيصرية، وبعد أقل من 10 ساعات طالبني الأطباء بضرورة مغادرة المستشفى فورًا نحو مدن جنوب القطاع، لتجنب المخاطر المحدقة بالمستشفى، التي كانت الدبابات وآليات الاحتلال تتقدم نحوها من محاور توغلها غرب غزة، وبالتزامن مع إنذارات إسرائيلية ساخنة لإدارة المستشفى بإخلائه".

عند السادسة صباحًا، غادَرت هديل ومرافقيها المستشفى، وعادوا إلى مركز الإيواء داخل مدرسةٍ في منطقة عسقولة بحي الزيتون، وما هي إلا ساعات قليلة حتى تعرضت المدرسة لقصفٍ إسرائيليٍ، أوقع شهداء وجرحى، اضطرت هديل وآلاف آخرين على إثره إلى الفرار للنجاة بأرواحهم.

استشهدت جدة هديل متأثرة بجراحٍ جراء إصابتها بشظية في ظهرها، فضلًا عن معاناتها طوال فترة النزوح كامرأة مسنة ومقعدة من الجوع والعطش، بسبب قلة الطعام وشح المياه الصالحة للشرب، التي كانت مهمة توفيرها محفوفة بمخاطر مميتة، حيث كان فتية من أبناء النازحين يتسللون ليلًا تحت القصف، وعلى وقع الغارات الجوية، والتحليق المكثف للطيران الحربي، لتعبئة غالونات بلاستيكية بمياه مالحة من مسجدٍ مجاور.

لم تستطع هديل من فرط الإعياء أن تكمل القصة، فاستلمت والدتها إيمان تايه (41 عامًا) دفة الحديث، لتقول: "كنا 45 فردًا من العائلة داخل المدرسة عندا تعرضت للقصف، وأصيب غالبيتنا بجروح، واضطرت سلفتي إلى لف ابنها الشهيد بقطعة قماش وتركه بالمدرسة، ثم نزحنا في ظروفٍ صعبةٍ للغاية".

ولأن هديل لا تقوى على المشي مسافةً طويلة، اضطر أحد أعمامها إلى حملها على ظهرهِ تارة، وتارةً أخرى إلى جرّها عبر غطاءٍ ثقيلٍ وضعَهُ على الأرض، فألقت بجسدها الهزيل فوقه. تتابع الأم: "وقد توقّفنا مرارًا خلال الطريق لتتمكن هديل من إرضاع مولودها في ظل ظروف بالغة الصعوبة".

وبعد طول عناء، اجتازت العائلة "مفترق الشهداء" على شارع صلاح الدين، واستقر بها المقام منذ نحو أسبوع في مركز إيواء بمدرسةٍ تابعةٍ لـ"اونروا" في مدينة رفح، لكن معاناة هديل وأسرتها لم تنته، بل باتت تعيشها بوجوهٍ أخرى، حيث يتكدسون داخل غرفة مدرسية ليس فيها موضع قدم، ولا تتوفر بداخلها أبسط مقومات الحياة الإنسانية، فضلًا عن احتياجات امرأةٍ وضعت مولودها حديثًا، ونزحت بجروح عمليتها القيصرية، وتحتاج إلى الرعاية الطبية والتغذية الصحية السليمة.

تقول والدتها: "الواقع سيئ للغاية داخل المدرسة، ويزداد سوءًا بالنسبة لهديل؛ فهي أمٌ لطفلةٍ لا تتجاوز العامين، ولا تزال تعاني آلام الميلاد، وتحتاج هي ووليدها للرعاية والتغذية، فيما المتوفر من الطعام والمياه يوميًا غير مناسبٍ لحالتها، سواءً من حيث الكمية أو النوعية".

وبحسب بيانات "اونروا" الرسمية، فإن أكثر من 900 ألف فلسطيني لجأوا إلى مراكز الإيواء في مدارسها ومرافقها المنتشرة على امتداد القطاع، وغالبيتهم حاليًا في مدن جنوبي القطاع، وأن إمكانياتها لا تتيح لها تقديم سوى 30% من احتياجاتهم الحياتية اليومية.