غزة:
يتنقل الطفل أحمد الحلاق على أنقاض منزل عائلته المدمّر، باحثًا عن ألعابه ودفاتره وكتبهن بل ربما دفتر رسم وعلبة ألوان تبادلها مع أصدقائه أو حتى قميص وبنطال كانوا لبسته المفضلة.
لا وجود لأي من أشياء أحمد الجميلة فلم يعثر الفتى على شيء من بين أكوام الركام الأسود المختلط ببارود الصواريخ الحربية التي قصفت ليلة أول الأمس عمارة العكلوك السكنية في حي النصر غرب مدينة غزة، تاركًا 70 عائلة بلا مأوى بعد هذا القصف المباغت لعمارتهم.
إلى جوار أحمد كانت سيدة تقلّب في بقايا الأنقاض علّها تعثر على شيء من مقتنيات صغارها، تضرب كفًا بكف وهي تقول "ما ذنبنا في كل هذا"، بينما ينظر إليها أحمد كاتمًا دموعه، ثم يلتفت ليقول: "صحينا من النوم مفزوعين على صوت أبي ينادينا بإخلاء الشقة، صحيت إخوتي ونزلنا جري مرعوبين دون ما نفهم القصة".

في تفاصيل ما حدث من البداية، فقد شنّت المقاومة الفلسطينية صباح اليوم السبت الماضي، هجومًا مباغتًا بالمظلات على مواقع الاحتلال الإسرائيلي العسكرية ومستوطناته المحاذية لقطاع غزة، وتمكّن من خوض اشتباكات وجاهية مباشرة مع قوات الاحتلال هناك أسفرت عن مقتل المئات وإصابة آلاف واعتقلت المقاومة أيضًا عشرات الجنود وعادت بهم إلى غزة.
جنّ جنون الاحتلال الذي تلقى صفعة غير متوقعة من المقاومة الفلسطينية المحاصرة في قطاع غزة والتي تعمل بإمكانات محلية محدودة بينما يتسلح هو بأقوى ترسانة عسكرية في العالم، وهو ما جعل رئيس حكومة الاحتلال يشن هجمات حربية ضد المدنيين في قطاع غزة أسفرت عن استشهاد نحو 493 ضحية حتى اللحظة وتدمير عشرات البنايات السكنية كانت عمارة العكلوك إحداها.

عودة إلى احمد الذي يروي ما حدث: "هربنا إلى الشارع بسرعة وجلسنا في مكان بعيد، وذهبت أمي إلى بيت صديق أخي، بقينا في الشارع حتى تم قصف البيت بأربعة صواريخ، رجعنا ووجدنا العمارة مهدمة، ضاعت كل أشيائي، والحال مرعب نحن لا نعيش مثل باقي أطفال العالم دائما معرضون للقصف، سبق تم قصف شقة شقيقي".
رامي العروقي، شاب أربعيني يسكن العمارة المكوّنة من بنايتين متجاورتين، فقد في لحظة شقته التي أسسها حجرًا حجرًا، وجمع كل تذكار فيها على مدار سنوات عمله التي تجاوزت العشرين، وعاش فيها عمرا برفقة زوجته وأبنائه.
يروي رامي ما حدث: " في تلك الليلة لم أتمكن من النوم سوى بعد الفجر، وبالكاد أغمضت عيوني حتى سمعت صوت صراخ بالشارع، فتحت الشباك لأحد الجيران يصرخون عليّ يطلبون مني النزول وإخلاء البيت، رغم استغرابي ولكن حملت حالتي وهربت بهم مسرعًا وسط زحام الناس الذين يفرون من شققهم بسبب التهديد".
ما إن خرج الجميع في الشارع كما يروي العروقي، حتى صرخ صاحب البناية عن السيدة أم جمال الثمانينية التي تعيش بمفردها في شقتها، لم تنزل بعد، ووسط كل الرعب انطلق رامي وشبان يطرقون الباب على السيدة حتى تمكنوا من إخراجها ومساعدتها في النزول، وهمّ رامي بالصعود على العمارة مجددًا كي يجلب قططًا كانت تربيهم جارته، لكن لم يسعفه الوقت وماتت القطط بلا ذنب.
يكمل العروقي:"البيت ليس مجرد جدران، هو شقى العمر وذكرياته، جبت في حياتي الكثير من الدول خلال عملي وكنت أحرص على حمل تذكار من كل دولة، لدي ألبوم من الصور فيه ذكرياتي بالعمل ومع العائلة، هناك الكثير من الذكريات لأبنائي كلها أصبحت تحت الأنقاض".
يناشد العروقي العالم النظر بعين العدالة على الشعب الفلسطيني الأعزل الذي يتعرض بشكل دائم للعدوان الإسرائيلي والقصف والتهجير، وما جرى لعمارة العكلوك التي تشرد خلالها 70 عائلة مثالًا على ما يحدث.
ومنذ بدء العدوان الإسرائيلي يوم السبت على قطاع غزة، استشهد نحو 493 فلسطينيًا، بينهم 91 طفلًا و 61 سيدة وإصابة 2751، ناهيك عن الدمار الهائل في المباني والبنية التحتية.




