غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
أمام محله في ممر سوق "القيسارية" الضيق، المعروف محليًا باسم "سوق الذهب"، بالكاد يستطيع التاجر أبو أيمن الشبراوي الردَّ على كل من يسأله من المارة عن الأسعار لهذا اليوم. كثيرون -وفقًا له- صاروا يميلون لشراء الذهب بغرض الادخار "زينة وخزينة" يقول ويضحك.
يعلق الرجل بارتياحٍ تجاه الحركة الشرائية للذهب، فيضيف: "الحالة نشطة، فصل الصيف والخريف موسم خطبة العرائس وشراء الذهب، ناهيكم عن أن ثقافة تخزين الذهب باتت أقوى عن ذي قبل. كل من يريد أن يدخر ماله، يجمّده بليرة، أو نصف أونصة، أونصة، أو حتى مصاغ للزينة"، مشيرًا إلى فئةٍ ثالثة تشتري الذهب بالعادة للتباهي، ومعظمهم من النساء.
وحسب الشبراوي، هناك اهتمام ومتابعة لأسعار الذهب من قبل الغزيين، "الذين على ما يبدو علمتهم ظروف البلاد العصيبة المتخلخلة بأن الادخار هو الأمان، وهو الاستثمار الجيد في ظل الأزمات المتلاحقة، التي لا تعصف بغزة وحدها، بل بالأسواق العالمية ككل".
ويفضل غالبية الغزيين شراء الذهب من عيار (21)، الذي يلقى رواجًا في أسواق غزة، لا سيما "الأونصة"، ومنهم من يفضل شراء "السبائك" من عيار (24)، "ويبقى فتح معبر إيرز مفتاح تنشيط حركة تبادل الذهب بين أسواق الضفة الغربية وغزة" يزيد.
في محل مجوهراتٍ آخر، كانت عينا المواطنة سناء فتحي (33 عامًا) تلمع مع انعكاس بريق الذهب الأصفر المعروض أمامها. لقد قررت استثمار عقد تدريس وقعته قبل شهر، ويستمر لمدة عام، في ادخار بعض المال، وتجميده من خلال شراء الذهب.
تتماشى السيدة كثيرًا، بل وتؤمن بمقولة (القرش الأبيض ينفع في اليوم الأسود) ولهذا اشترت "ليرة ذهبية"، أملًا في الاستفادة منها مستقبلًا بعد ارتفاع الأسعار.
تقول سناء: "أحصل على راتبي بالدولار، ولكنني لا أعدُّه مصدر أمان بالنسبة لي نظرًا لكونه كل يوم في حال، وبالطبع في قطاع غزة فرص العمل شحيحة، لذا أحاول اقتناص أي فرصة لتحقيق فائدة من عملي، ولا أهدر مردوده على متطلبات الحياة اليومية".
وتزيد "أرغب بشراء قطع أخرى خلال الشهور المقبلة إذا كان سعر الذهب جيدًا، ولا يهمني كيف يكون شكله. لا أهتم كثيرًا للزينة بقدر ما تهمني قيمة الذهب نفسه، ووجوده في حال حاجتي إليه".
بالقرب منها، وقف مواطن يُدعى محمد زايدة برفقة زوجته يتحاوران حول اختيار بعض القطع من نوع "كسر"، المعروف عنها أنها ذات قيمة شرائية جيدة للتاجر والزبون. يقول: "أصطحب زوجتي لشراء الذهب لها بين الفترة والأخرى، فمنذ زواجنا قبل عشرة أعوام أخذتُ ذهبها كله وبعته لتأسيس مشروع، لكنه فشل، وحصلتُ بداية العام على فرصة عمل جيدة، وأردتُ تعويضها كبديل عن المصاغ الذي باعته وهي عروس من أجلي".
يعمل محمد اليوم في الداخل الفلسطيني المحتل بعد أن حصل على تصريح عمل، ويرغب بشراء ذهب كحلي لزوجته ولتخزينه كضمان مالي يمكنهما الاستفادة منه مستقبلًا، عوضًا عن كونه ادخار، قائلًا: "أجد في هذه الخطوة أكثر أمانًا، فأنا أحصل على راتبي بالشيكل، وأقوم بتحويل جزء منه إلى دينار لشراء قطع من الذهب".
وفي تحليله لـ شبكة "نوى" أكد المحلل المالي أحمد أبو قمر زيادة إقبال الغزيين لشراء الذهب وتخزينه كبديل آمن عن العملات النقدية، موضحًا أنه ملاذ المواطنين والحكومات أيضًا في وقت حدوث الاضطرابات والمتاعب المالية، "إذ تقيها من التحركات الكبيرة للعملات النقدية الأخرى، التي تُشعر صاحب المال بالقلق والتخوف من فكرة فقدانها في أي وقت".
ودلل على ذلك بما يحدث لعملة الدولار الأمريكي، الذي نجده يقفز سريعًا ما بين هبوطٍ وارتفاع، وهذا يجعل من يدخرون أموالًا نقدية في توترٍ دائم، على عكس من يُخزّن الذهب.
وعن فوائج تخزين الذهب، يقول أبو قمر: "قيمة أسعار الذهب على المدى البعيد تأخذ بالارتفاع، فلو عدنا بالزمن إلى ما قبل 20 سنة تقريبًا، نجد أن الجرام الواحد من الذهب كان يباع بـ10 إلى 12 دينارًا، وبدأ يأخذ في الارتفاع حتى وصل في وقتنا الحاضر إلى 40 دينارًا أردنيًا، وقد نشهد خلال الأعوام القادمة وصوله إلى 50 دينار"، مضيفًا: "في شراء الذهب أقل نسبة مخاطرة تُشجّع المواطنين على ادّخاره لسنين طويلة والاستثمار فيه".
وتابع: "على النقيض يقف التعامل مع العملات النقدية، التي تفقد قيمتها الشرائية سنة بعد سنة"، موضحًا أن المواطن سابقًا كان يملأ سلته الغذائية بقيمة 100 شيكل، لكنه الآن بالكاد يستطيع تلبية احتياجاته الأساسية بهذا المبلغ".
وقدم نصيحةً مفادها "التنويع بين العملات النقدية والذهب في الادخار، حفاظًا على السيولة النقدية".
