يعقوب النتشة.. آخر صانع زجاج في الخليل
تاريخ النشر : 2023-10-02 14:44

الخليل:

وسط البلدة القديمة بمدينة الخليل المحتلة، تشدك يافطة معلّقة على مدخل محلّ صغير قديم مكتوب عليها "مصنع أرض كنعان"، تتدلّى حول مدخله الصغير أكواب من الزجاج والزخارف مختلفة الأشكال والألوان!

وداخل هذا المصنع الصغير الذي يشبه الكهف بجدرانه البنية الداكنة وزواياه المقوّسة، الذي يزيد عمره على 400 عام، يجلس يعقوب شاهين (59عامًا) آخر صانع زجاج في المدينة، بعدما أُغلقت جميعها بسبب مضايقات الاحتلال الإسرائيلي.

يقول شاهين: "أصرّ على التمسك بالموروث الثقافي والفني الخاص بصناعة الزجاج اليدوي، الذي توارثتُه أبًا عن جد، ولن أفرط فيه أبدًا".

عن أرفف المحل تتدلى عشرات المصابيح والزخارف والزهريات مختلفة الأشكال، فتمتزج ألوانها الزرقاء والحمراء والخضراء بشعاع مصباح يتوسط المصنع التراثي، لتشكّل مزيجًا من حالة فنية رائعة تختلط بصوت الفرن القادم من زاوية المكان الذي يجلس مقابله النتشة ليُخرِج الزجاج المنصهر من الفرن، ثم ينفخ في ناره فتتشكل تمامًا بالحجم واللون، وحتى الوزن الذي يريد!

الرجل الذي يحترف المهنة منذ كان طفلًا لم يتم عشر سنوات من عمره، يفخر أن كل ما في المكان هو من إبداع خياله وذوقه، فرسم الزجاج أصبح بالنسبة له "عِشرة عمر" وليس مجرد مهنة.

وأمام عيون عشرات الزوّار الذي يحضرون لمشاهدته وهو يعمل، يمسك النتشة بقضيبٍ من الحديد، ويراقب بحذرٍ الزجاج المنصهر، وينفخ فيه بينما يتحوّل تدريجيًا من كتلة نار إلى قطعة فنية رائعة، وسط اندهاش الحضور الذين يشهقون مع كل حركة، بينما يتابعون آلاف القطع الفنية التي خرجت بنفس الحجم والشكل واللون، رغم أن كل واحدةٍ منها أنتجها النتشة بشكلٍ منفرد.

يعقب: "الخبرة تصنع كل شيء، حتى ولو طُلب مني تسليم 500 كأس بحجم ووزن ولون محدد، أصنعها كلها بنفس المواصفات". لقد اعتاد الرجل صاحب الخبرة الطويلة نظرات الدهشة من زواره الفلسطينيين والأجانب أيضًا، وحتى ذلك  الهمس الذي يصل مسامعه "شكله ساحر"، فيصيبه بالضحك والفخر في آن معًا.

ويشعر النتشة بالحسرة على محلات الزجاج التي كانت تنتشر في مدينة الخليل، وكلها تم إغلاقها بسبب مضايقات الاحتلال، فيقول: "كان في البلدة القديمة 18 مصعنًا للزجاج جميعها أغلقت، وقررتُ البقاء ونقل مصنعي إلى هنا، كي أحيي البلدة".

ويتعرض الفلسطينيون في مدينة الخليل للمضايقات والاعتداءات الإسرائيلية بشكل مستمر، إذ تُغلق في وجوههم الشوارع الرئيسة، ما يجعل تنقلهم داخل البلدة القديمة صعبًا، وهذا دفع التجار ورجال الأعمال إلى نقل محلاتهم خارجها بحثًا عن أماكن أكثر حركة، وأقلّ معوقات، "لكنني فعلتُ العكس" يستدرك بعنفوان.

ويضيف: "غالبية مصانع الزجاج مملوكة لعائلتي، توارثناها منذ القدم، الجميع خرج من هنا ولكن أنا قررت العودة، وواجهت الكثير من المعوقات من أجل الاستمرار، لكن لم أسمح لذلك بأن يحبطني".

"البلدة القديمة كانت مدينة أشباح" يقول الرجل الذي حاول ترميم المكان القديم، وإعادته لصناعة الزجاج، مؤكدًا أنه نجح في جعل المصنع يعيد الحياة للبلدة القديمة، إذ كان سببًا في قدوم مئات الزوار ممن يريدون مشاهدة صنع الزجاج اليدوي.

يضيف: "غالبية إنتاج المصنع فني وجمالي، تحف يركز عليها السياح، ومخصصة للتصدير". هذا من وجهة نظري إنعاش للبلدة القديمة التي يوصي بضرورة تشجيع التجارة فيها.

شهرة النتشة كواحد من أقدم صنّاع الزجاج اليدوي في العالم، جعلته يمثل فلسطين في الخارج 17 مرة، حيث شارك في مهرجان دبي للتسوق، وفي فرنسا حين استضافته بلدية باريس، فاصطحب معه فرنًا صنعه بنفسه، وصنع فيه الزجاج أمام  5 ملايين متفرج، كما حصل على الجائزة الأولى في الشرق الأوسط.