خريف غزة.. "طيفُ العدوان" كصورةٍ لـ"الاكتئاب"
تاريخ النشر : 2023-09-20 11:40

عاد الخريف. في غزة، قد لا يعني الكثير لمن اعتادوا وجه الحصار في كل الفصول منذ نحو 17 عامًا، لكنه خارجها له شكلٌ مختلف! يعود الناس من رحلات السفر والإجازة الصيفية السنوية مفعمين بالأمل، منطلقين نحو روتين الحياة -على علّاته- بروحٍ جديدة.

"عندنا يبدأ الخريف، وتبدأ حالة الاكتئاب" تقول ميرا ياسين، وتتابع: "وكأنه مرشوشٌ للكسل والضيق تنثره الطيور فوق هذه البقعة، فنمضي فيه نائمين حتى نصحو مع مطر الشتاء. نفكر بالحرب تلقائيًا، ونسمع أصوات القصف المزروعة في ذاكرتنا من اعتداءات سابقة".

تضحك الشابة العشرينية، قبل أن تضيف: "الجو غير مفهوم في الخريف. أحاول كثيرًا خلع فكرة (أنه الخريف) من رأسي، لكن عبثًا! أجبر نفسي على الاستيقاظ من النوم، ثم ارتداء ملابسي للذهاب إلى الجامعة، والاستماع إلى المحاضرة والتركيز فيها، فأجدني غفوت في وسطها! الأمر غريبٌ بالفعل، وهذه ليست طباعي.. الخريف هو المسؤول".

ورغم أن درجة الحرارة تنخفض في فصل الخريف بشكلٍ معقول، مما يتيح الفرصة (منطقيًا) لاستعادة النشاط واللياقة، إلا أن الواقع هنا يقول شيئًا مختلفًا. "إنه فصل الكسل والخمول والخوف والنفسية المتذبذبة" يصفه عبد الله (29 عامًا).

يحدثنا عبد الله عن تأثر ساعته البيولوجية بطبيعة الجو في الخريف. "صرت أنام كالدجاجة بعد العشاء مباشرة" يقول، ويتابع: "أصحو بخمول، وأجرُّ ساقيَّ جرًّا. كسل، اكتئاب، لا أملك الرغبة في فعل شيء، وتباغتني هواجس حدوث عدوانٍ جديدٍ فجأة".

بالنسبة لشابٍ عاطلٍ عن العمل، لهذا الجو ما بعده، فعبد الله الذي تخرج منذ نحو 5 سنوات من قسم اللغة العربية في إحدى جامعات غزة، لم يجد عملًا يناسب تخصصه حتى اللحظة. يعقب: "هذا الجو يجعلني مكتئبًا أكثر من أي وقتٍ آخر. على مدار شهرين أعيش حالةً من اليأس، والمرض، والتثاقل، لا سيما وأنا أطرق الأبواب بحثًا عن عمل".

يضحك ويكمل: "لو سمعني أبي لنهرني. لقد أخبرني مرةً أنه عندما كان في مثل عمري كان بالكاد قد وجد عملًا جيدًا، لكنه لم يشعر بأن للخريف أو للصيف أو لنجوم السماء أي دور في حالة يأسٍ أصابته (..) أتوقع أن كل كبار السن يفكرون مثله يخبروننا بأنهم لم يفكروا يومًا باكتئاب صيف أو خريف، ويذهب بعضهم إلى أن الإنسان هو من يصنع يأسه، وهو من يؤمن بأن الأمل في هذه الحياة لا ينقطع".

تقول الأخصائية النفسية ليلى أبو عيشة لـ"نوى": "الاكتئاب في الخريف وارد، ولدى النساء أكثر منه لدى الرجل بسبب التغيرات الهرمونية التي يمكن أن تطرأ على أجسادهن كل شهر، ولا سيما لو كانت السيدة أصلًا تعاني من فرط قلق وتوتر".

وتوضح أبو عيشة أن فصل الخريف يأتي بعد انتهاء فصل الصيف المفعم بالزيارات العائلية والفعاليات المرتبطة بالإجازة السنوية، واستقبال المسافرين العائدين للوطن لقضاء فصل الصيف، وهو ما يجعل الإنسان بمجرد انتهاء هذه الحالة المفعمة بالحيوية والعودة للانضباط سواء، بانتظام الدراسة، أو العمل تتملكه مشاعر سلبية تلك التي نطلق عليها (اكتئاب الخريف).

ويرافق الشعور باكتئاب الخريف على مستوى الجنسين -تبعًا لأبو عيشة- الشعور السلبي بالقلق، والإرهاق، وعدم الرغبة بأداء أي مجهود، والعصبية المفرطة، وفقدان الشهية، أو فرطها، والرغبة في النوم، أو الأرق، الانطواء والعزلة عن المحيط الاجتماعي أيضًا.

وتزيد: "يمكن تجاوز هذه الحالة باتباع بعض الممارسات الصحية، كالاستيقاظ في وقت محدد بضبط التنبيه، وعدم تركه للرغبة بمغادرة السرير، ثم ممارسة بعض التمارين الرياضية وعلى رأسها المشي ولو مدة قصيرة في الصباح، والتعرض لضوء النهار الطبيعي، من خلال فتح النوافذ والجلوس بقربها".

وشددت أبو عيشة أن تنظيم الوقت، يعد الوسيلة الأنجع لأي مشاعر سلبية مرتبطة بالخريف، مع إعداد جدول مرتبط بأداء مهام محددة أو إنجازات ما، كالقراءةـ، والرياضة، لافتة أن هذا الإنجاز يعزز المشاعر الإيجابية، ويجعل الإنسان قادر على استبعاد الأفكار السوداوية.

وأكدت أبو عيشة على أهمية تناول الغذاء الصحي، الغني بفيتامين (د) و(أوميغا 3)، ومن الأطعمة التي ذكرتها، ولها دور في التخفيف من مشاعر "اكتئاب الخريف"، وبنفس الوقت لها دور برفع المناعة ضد الأمراض التي قد يسببها تقلب الجو فيه، الرمان، حبة كاملة، أو عصير، كونه غني بمضادات الأكسدة، والفطر، والقرع المتوفر بكثرة، والتين أيضًا.