صبرا وشاتيلا جرح غائر في قلب "رحاب كنعان"
تاريخ النشر : 2023-09-16 21:03

غزة:

تقلّب الشاعرة الفلسطينية رحاب كنعان صفحات كتب ومجلات مرصوصة على طاولة تتوسط بيتها في مدينة غزة، كلها تتحدث عن تجربتها مع مجزرة "صبرا وشاتيلا" التي استشهد خلالها 5000 فلسطيني وفُقِد 7000 آخرين!

وتعجّ جدران منزل الشاعرة الملقّبة بـ"خنساء فلسطين" بصور 51 فردًا من عائلتها استشهدوا في تلك المجزرة التي ارتكبتها قوات الاحتلال الإسرائيلي في مخيم صبرا وشاتيلا جنوب لبنان بحق اللاجئين الفلسطينيين في 16 أغسطس 1982م، فقدت خلالها أيضًا ابنها وابنتها التي ظنت لأكثر من عشرين عامًا أنها شهيدة إلى أن اكتشفت فجأة أنها على قيد الحياة.

تقول الشاعرة رحاب كنعان بينما تقلب صفحات كتاب يعجّ بصور ضحايا المجزرة: "كيف ننسى هؤلاء الضحايا، 41 عامًا وما زالت كل تفاصيل الجريمة المروعة محفورة في ذاكرتي أعيشها في كل لحظة، وأنقل ما حدث لأبنائي وكل من عرفني وصادفني".

وتروي كنعان تفاصيل المجزرة: "دخل المجرمون المخيم ليلًا والناس نيام، وبدأوا قتل العائلات بالسلاح الأبيض، ذبحوا الناس وهم في بيوتهم"، فالمجزرة ارتكبت عن سبق تخطيط بعد خروج المقاومة الفلسطينية من المخيم، قبل المجزرة خرج مجموع من الرجال لإخبار قوات الاحتلال عن المقاومة غادرت المخيم ولكن لم يرجعوا، فخرجت مجموعة من الناس خلفهم ولم يعدن، وبعد المجزرة تم الكشف أنهم جميعًا تم ذبحهم.

تكمل كنعان: "شعر الناس بحركة غريبة تجري في المخيم، حاول الناس الخروج لمنطقة مجاورة، لكن قوات الاحتلال الإسرائيلي التي كانت تحاصر المخيم من جميع مداخله، أعادتهم بالقوة، وتمت مهاجمة البيوت وقتل الناس بشكل جماعي داخل بيوتهم".

لأكثر من أربعين ساعة ظلت الجريمة تتواصل داخل المخيم، حتى تمكن صحفي ياباني من دخوله وبدأت أخبار المجزرة تخرج للعلن، علم العالم بما يجري ولكن لم يتحرك أحد لوقف الجريمة كما تخبرنا كنعان التي كانت تسكن على مقربة من المخيم تمامًا.

تضيف:"11 مجزرة ارتكبت بحق اللاجئين الفلسطينيين بذات الطريقة، من بينهم مجزرة تل الزعتر حيث قتل 51 فردًا من عائلتي بينهم أبي وإخوتي وهم من آل حمزة، فأنا متزوجة من عائلة كنعان، وكانت ابنتي وابني مع أبيهم في المخيم والذي خرج مع المقاومة، ولم أكن أعرف أخبارهم".

لم تكن قوات الاحتلال وحدها من ترتكب الجريمة، بل ومعها عناصر من حزب الكتائب اللبناني الذين نادوا على الناس عبر مكبرات الصوت وطالبوهم بالخروج على ساحة المخيم، ما دفع الناس للاستجابة، تعقب:" هاجموا الناس في ساحة المخيم وبدأت مذبحة بحقهم".

وتروي بحسرة كيف تم ذبح عائلات بأكملها في البيوت، وكيف تم اغتصاب فتيات ونساء على مرأى من عائلاتهن قبل ذبح الجميع، فقوات الاحتلال أخذت الكثير من المدنيين ودفنوهم أحياء في حفر تم تجهيزها مسبقًا لجريمة الدفن هذه.

عادت رحاب بعد المجزرة للاطمئنان على أبنائها ولم تجد أحدًا سوى أهوال الجثث الملقاة في الشوارع، اضطرت للسفر إلى تونس للالتحاق بزوجها، وهناك فتحت مجلة فلسطين الثورة حيث طالعها خبر استشهد ابنها الذي كان بالمخيم، تعقّب: "صدمة وصراخ وعويل، لم أكن أتوقع ذلك فما عرفته أنه خرج ونجا وهنا اختفت أخبار ابنتي ميمنة التي كانت أيضًا مع أخيها".

انقطع الاتصال تمامًا بين رحاب وعائلتها، حتى تمكنت عام 2000 من الاتصال بابنة خالتها في لبنان بعد أن حصلت على رقم هاتفها، وحينها أخبرتها أن ابنتها ميمنة على قيد الحياة، وبالفعل بدأت رحاب رحلة نضال جديدة من أجل رؤية ابنتها حتى تمكن تلفزيون أبو ظبي حينها من جمعهما في مشهد أبكى ملايين المشاهدين.

تكمل رحاب: "إسرائيل مجرمة وتتحمل المسؤولية عما ارتكبته من جرائم بحق شعبنا وينبغي أن تحاكم مهما مر الزمان، حتى وإن كان مرتكبو هذه الجرائم ماتوا فإسرائيل دولة تتحمل المسؤولية عن هذه الجريمة".

وتصرّ كنعان على أن فظاعة الجرائم التي ارتكبت ينبغي ان تشكّل دافعًا لنا كي لا ننسى أبدًا ما حدث ولا نغفره، وان نظل نلاحق إسرائيل في المحاكم الدولية، فهذه حقوق لا تسقط بالتقادم، ولن تبرد دماء الضحايا حتى يتم محاكمة المجرمين.

رحاب كنعان تستذكر المجزرة